اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم﴾ الآية.
قال ابن عباس : وجَّه رسول اللَّهِ - ﷺ - غلاماً من الأنصار يقال له :«مُدْلج بن عمرو » إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل، فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فأنزل الله هذه الآية(١٦٢). وقال مقاتل : نزلت في أسماء بنت(١٦٣) مَرْثَد(١٦٤)، كان لها غلام كبير، فدخل عليها(١٦٥) في وقت كرهته، فأتت رسول الله - ﷺ - فقالت : إنّ خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ﴾(١٦٦) اللام للأمر «مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ » يعني : العبيد والإماء.
قال القاضي : هذا الخطاب وإن كان ظاهره للرجال، فالمراد به الرجال والنساء، لأنّ التذكير يغلب على التأنيث(١٦٧). قال ابن الخطيب : والأولى(١٦٨) عندي أنّ الحكم ثابت في النساء بقياس جليّ، لأنّ النساء في باب ( حفظ )(١٦٩) العورة أشد حالاً من الرجال، فهو كتحريم الضرب بالقياس على حرمة التأفيف(١٧٠). وقال ابن عباس : هي(١٧١) في الرجال والنساء يستأذنون على كل حال في الليل والنهار. واختلف العلماء في هذا الندب : فقيل للأمر. وقيل : للوجوب، وهو الأظهر(١٧٢). قوله :﴿والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ﴾ أي : من الأحرار، وليس المراد : الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، بل الذين عرفوا أمر النساء، ولكن لم يبلغوا.
واتفق الفقهاء على أنّ الاحتلام بلوغ. واختلفوا في بلوغ خمس عشرة سنة(١٧٣) إذا لم يوجد احتلام : قال أبو حنيفة : لا يكون بالغاً حتى يبلغ ثماني عشرة سنة، ويستكملها الغلام والجارية تستكمل سبع عشرة. وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد : في الغلام والجارية خمس(١٧٤) عشرة سنة إذا لم يحتلم، لما روى ابن عمر أنه عرض على النبي(١٧٥) يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزه، وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة، فأجازه. قال أبو بكر الرازي : هذا الخبر مضطرب، لأنّ أُحُداً كان في سنة ثلاث، والخندق كان في سنة خمس، فكيف يكون بينهما سنة ؟ ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ، فقد لا يؤذن للبالغ لضعفه، ويؤذن لغير البالغ لقوته ولطاقته لحمل السلاح، ولذلك لم يسأله النبي - عليه السلام(١٧٦) - عن الاحتلام والسن(١٧٧). واختلفوا في الإنبات(١٧٨) : هل يكون بلوغاً ؟ فأصحاب الرأي لم يجعلوه بلوغاً، لقوله - عليه السلام(١٧٩)- :«وعن الصبي حتى يحتلم »(١٨٠). وقال الشافعي : هو بلوغ، لأنّ النبي - عليه السلام(١٨١) - : أمر بقتل من أنبت من بني قريظة. قال الرازي : الإنبات يدل على القوة البدنية، فالأمر بالقتل(١٨٢) لذلك لا للبلوغ(١٨٣).
قال أبو بكر الرازي(١٨٤) : دلَّت هذه الآية على أن من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع، وينهى عن ارتكاب القبائح، فإن الله تعالى أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات.
وقال عليه السلام(١٨٥) :«مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر »(١٨٦).
وقال ابن عمر : يعلم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من شماله. وقال ابن مسعود : إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له حسناته، ولا تكتب عليه سيئاته حتى يحتلم. واعلم أنه إنما يؤمر بذلك تمريناً ليعتاده ويسهل عليه بعد البلوغ(١٨٧).
قال الأخفش : الحلم : من حلم الرجل بفتح اللام، ومن الحلم : حلم بضم اللام يحلم بكسر اللام(١٨٨).
قوله :«ثَلاَثَ مَرَّاتٍ » فيه وجهان :
أحدهما : أنَّه منصوب على الظرف الزماني(١٨٩)، أي : ثلاثة أوقات، ثم فسَّر تلك الأوقات بقوله :﴿مِّن قَبْلِ صلاة الفجر وَحِينَ تَضَعُونَ ( ثيابكم مِّنَ الظهيرة )(١٩٠) وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء﴾.
والثاني : أنه منصوب على المصدرية(١٩١)، أي ثلاثة(١٩٢) استئذانات.
ورجح أبو حيان هذا فقال : والظاهر(١٩٣) من قوله : ثَلاثَ مرَّاتٍ : ثلاثة استئذاناتٍ، لأنك إذا قلت : ضربتُ ثَلاثَ مراتٍ، لا يفهم منه إلاّ ثلاث ضرباتٍ، ويؤيده قوله عليه السلام(١٩٤) :«الاستئذانُ ثَلاَثٌ »(١٩٥). قال شهاب الدين : مسلَّم أنّ الظاهر كذا، ولكن الظاهر هنا متروك للقرينة المذكورة، وهي التفسير بثلاثة الأوقات المذكورة(١٩٦).
وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية :«الحُلْم » بسكون العين(١٩٧)، وهي تميمية(١٩٨).
قوله :﴿مِّن قَبْلِ صلاة الفجر﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه بدلٌ من قوله :«ثَلاَثَ » فيكون في محل نصب.
الثاني : أنه بدلٌ من «مَرَّاتٍ »(١٩٩) فيكون في محل جرّ.
الثالث : أنه خبرُ مبتدأ مضمر، أي : هي من قَبْلُ، أي : تلكَ المرات، فيكون في محل رفع(٢٠٠).
وقوله :«وَحِينَ تَضَعُونَ » عطف على محل { مِّن قَبْلِ صلاة الفجر »(٢٠١).
قوله :«من الظَّهِيرةِ » فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنَّ «مِنْ » لبيان الجنس، أي : حين ذلك الذي هو الظهيرة.
الثاني : أنها(٢٠٢) بمعنى «في » أي : تضعونها في الظهيرة.
الثالث : أنها بمعنى اللام، ( أي )(٢٠٣) : من أجل حرّ الظهيرة(٢٠٤).
وقوله :﴿وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء﴾ : عطف على ما قبله. والظَّهيرةُ شِدّةُ الحرِّ، وهو انتصاف النهار(٢٠٥).
قوله :«ثلاث عورات ». قرأ الأخوان(٢٠٦) وأبو بكر :«ثَلاَثَ » نصباً. والباقون رفعاً(٢٠٧). فالأولى تحتمل ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنها بدلٌ من قوله :«ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ».
قال ابن عطية : إنما يصح البدلُ بتقدير : أوقاتُ ثلاث عوراتٍ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه(٢٠٨). وكذا قدره الحوفي(٢٠٩) والزمخشري(٢١٠) وأبو البقاء(٢١١)، ويحتمل أنه جعل نفس ثلاث المرات(٢١٢) نفس ثلاث العورات مبالغة فلا يحتاج إلى حذف مضاف، وعلى هذا الوجه - أعني : وجه البدل - لا يجوز الوقف على ما قبل «ثَلاَثَ عَوْرَاتٍ »(٢١٣) لأنه بدل منه وتابع له، ولا يوقف على المتبوع دون تابعه(٢١٤).
الثاني : أنَّ «ثَلاَثَ عَوْراتٍ » بدل من الأوقات المذكورة، قاله أبو البقاء(٢١٥). يعني قوله :﴿مِّن قَبْلِ صلاة الفجر﴾ وما عُطِفَ عليه، ويكون بدلاً على المحل، فلذلك نصب.
الثالث : أن ينْتصب بإضمار فعل.
فقدره أبو البقاء :«أعني »(٢١٦) وأحسن من هذا التقدير : اتقوا، أو احذروا ثلاث(٢١٧).
فأمّا الثانية(٢١٨) : ف «ثَلاَثُ » خبر مبتدأ محذوف تقديره :«هُنَّ(٢١٩) ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ »(٢٢٠).
وقدره أبو البقاء مع حذف مضاف، فقال : أي : هي أوقات ثلاث عورات، فحذف المبتدأ والمضاف(٢٢١). قال شهاب الدين : وقد لا يحتاجُ إليه على جعلِ العَوْرات نَفْسَ الأوقاتِ مبالغةً، وهو المفهوم من كلام الزمخشري، وإن كان قد قدَّر مضافاً، كما تقدم عنه.
قال الزمخشري : ويسمى كل واحد من هذه الأحوال عَوْرةً، لأنَّ الناس يختل تسترهم(٢٢٢) وتحفظُهم فيها. والعَوْرةُ : الخللُ، ومنه أعور الفارسُ، وأعور المكانُ. والأعور : المختل العين(٢٢٣). فهذا منه يؤذن بعدم تقدير «أوقاتٍ » مضاف ل «عوراتٍ » بخلاف كلامه أولاً فيؤخذ من مجموع كلاميه وجهان(٢٢٤).
وعلى قراءة الرفع وعلى الوجهين قبلها في تخريج قراءة(٢٢٥) النصب يوقف على ما قبل «ثَلاَثَ عوراتٍ » لأنها ليست تابعة لما قبلها(٢٢٦). وقرأ الأعمش :«عَورَاتٍ » بفتح الواو(٢٢٧)، وهي لغة هذيل وبني تميم، يفتحون عين «فَعْلاء » واواً أو(٢٢٨) ياءً، وأنشد :
المعنى : يستأذنوا في ثلاثة أوقات : من قبل صلاة الفجر، ووقت القيلولة، ومن بعد صلاة العشاء. وخصَّ هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما لا يحب أن يراه أحد من العبيد والصبيان، فأمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، فأما غيرهم فيستأذنون في جميع الأوقات(٢٣٠). وسميت هذه الأوقات عورات لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فتبدو عورته(٢٣١).
قال بعضهم : إن قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ على أَهْلِهَا﴾(٢٣٢) [النور: ٢٧] يدل على أنّ الاستئذان واجب في كل حال، فنسخ بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة(٢٣٣). قال ابن عباس : لم يكن للقوم ستور ولا حجاب، وكان الخدم والولائد يدخلون، فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأمروا بالاستئذان، وقد بسط الله الرزق، واتخذ الناس الستور، فرأى أن ذلك أغنى عن الاستئذان(٢٣٤).
وقال آخرون : الآية الأولى أريد بها المكلف، لأنه خطاب لمن آمن، والمراد بهذه الآية غير المكلف، لا يدخل(٢٣٥) في بعض الأحوال إلاّ بإذن، وفي بعضها بغير إذن، ولا وجه للنسخ(٢٣٦). فإن قيل : قوله :﴿الذين مَلَكَتْ أيمانكم﴾ يدخل فيه من بلغ، فالنسخ لازم ؟
فالجواب أن قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ﴾(٢٣٧) [النور: ٢٧] لا يدخل تحته العبيد والإماء، فلا يجب النسخ(٢٣٨).
قال أبو عبيد(٢٣٩) : لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ(٢٤٠). وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال : ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس(٢٤١) لا أرى أحداً يعمل(٢٤٢) بهن، قال عطاء : حفظت آيتين ونسيت واحدة، وقرأ(٢٤٣) هذه الآية، وقوله ﴿يا أيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى﴾(٢٤٤) [الحجرات: ١٣] وذكر سعيد بن جبير أن الآية الثالثة :﴿وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى﴾(٢٤٥) [النساء: ٨] الآية(٢٤٦).
قوله :«لَيْسَ عَلَيْكُمْ » هذه الجملة يجوز أن يكون لها محل من الإعراب، وهو الرفع نعتاً ل «ثَلاَثُ عَوْرَات » في قراءة من رفعها، كأنه قيل : هُنَّ ثَلاَثُ عَوْراتٍ مخصوصةٌ بالاستئذان(٢٤٧)، وأَلاَّ يكون لها محل، بل هي كلام مقرر للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة، وذلك في قراءة من نصب «ثَلاَثَ عَوْرَاتٍ »(٢٤٨).
قوله :«بعدهن ». قال أبو البقاء : التقدير : بعد استئذانهم(٢٤٩) فيهن، ثم حذف حرف الجر والفاعل فبقي «بعد استئذانهم »(٢٥٠) ثم حذف المصدر(٢٥١).
يعني بالفاعل : الضمير المضاف إليه الاستئذان، فإنه فاعل معنوي بالمصدر، وهذا غير ظاهر، بل الذي يظهر أن المعنى : ليس عليكم جناح ولا عليهم أي : العبيدُ والإماءُ والصبيانُ «جُنَاحٌ » في عدم الاستئذان بعد هذه الأوقات المذكورة، ولا حاجة إلى التقدير الذي ذكره.
قوله :«طَوَّافُونَ » خبر مبتدأ مضمر تقديره :«هُمْ طَوَّافُونَ »(٢٥٢)، و «عَلَيْكُم » متعلق به.
قوله :﴿بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ﴾. في «بَعْضُكُم » ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مبتدأ، و «عَلَى بَعْضٍ » الخبر(٢٥٣)، فقدره أبو البقاء :«يَطُوفُ على بعض » وتكون هذه الجملة بدلاً مما قبلها، ويجوز أن تكون مؤكدة مبينة(٢٥٤)، يعني : أنها أفادت إفادة الجملة التي قبلها، فكانت بدلاً أو مؤكدة. وردّ أبو حيان هذا بأنه كونٌ مخصوص، فلا يجوز حذفه(٢٥٥).
والجواب عنه : أن الممتنع الحذف إذا لم يدل عليه دليل، وقُصِدَ إقامةُ الجار والمجرور مقامه. وهنا عليه دليل ولم يُقْصَد إقامة الجار مقامه. ولذلك قال الزمخشري : خبره «عَلَى بَعْضٍ » على معنى : طائف على بعض، وحذف ل
قال ابن عباس : وجَّه رسول اللَّهِ - ﷺ - غلاماً من الأنصار يقال له :«مُدْلج بن عمرو » إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل، فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فأنزل الله هذه الآية(١٦٢). وقال مقاتل : نزلت في أسماء بنت(١٦٣) مَرْثَد(١٦٤)، كان لها غلام كبير، فدخل عليها(١٦٥) في وقت كرهته، فأتت رسول الله - ﷺ - فقالت : إنّ خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ﴾(١٦٦) اللام للأمر «مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ » يعني : العبيد والإماء.
قال القاضي : هذا الخطاب وإن كان ظاهره للرجال، فالمراد به الرجال والنساء، لأنّ التذكير يغلب على التأنيث(١٦٧). قال ابن الخطيب : والأولى(١٦٨) عندي أنّ الحكم ثابت في النساء بقياس جليّ، لأنّ النساء في باب ( حفظ )(١٦٩) العورة أشد حالاً من الرجال، فهو كتحريم الضرب بالقياس على حرمة التأفيف(١٧٠). وقال ابن عباس : هي(١٧١) في الرجال والنساء يستأذنون على كل حال في الليل والنهار. واختلف العلماء في هذا الندب : فقيل للأمر. وقيل : للوجوب، وهو الأظهر(١٧٢). قوله :﴿والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ﴾ أي : من الأحرار، وليس المراد : الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، بل الذين عرفوا أمر النساء، ولكن لم يبلغوا.
واتفق الفقهاء على أنّ الاحتلام بلوغ. واختلفوا في بلوغ خمس عشرة سنة(١٧٣) إذا لم يوجد احتلام : قال أبو حنيفة : لا يكون بالغاً حتى يبلغ ثماني عشرة سنة، ويستكملها الغلام والجارية تستكمل سبع عشرة. وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد : في الغلام والجارية خمس(١٧٤) عشرة سنة إذا لم يحتلم، لما روى ابن عمر أنه عرض على النبي(١٧٥) يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزه، وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة، فأجازه. قال أبو بكر الرازي : هذا الخبر مضطرب، لأنّ أُحُداً كان في سنة ثلاث، والخندق كان في سنة خمس، فكيف يكون بينهما سنة ؟ ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ، فقد لا يؤذن للبالغ لضعفه، ويؤذن لغير البالغ لقوته ولطاقته لحمل السلاح، ولذلك لم يسأله النبي - عليه السلام(١٧٦) - عن الاحتلام والسن(١٧٧). واختلفوا في الإنبات(١٧٨) : هل يكون بلوغاً ؟ فأصحاب الرأي لم يجعلوه بلوغاً، لقوله - عليه السلام(١٧٩)- :«وعن الصبي حتى يحتلم »(١٨٠). وقال الشافعي : هو بلوغ، لأنّ النبي - عليه السلام(١٨١) - : أمر بقتل من أنبت من بني قريظة. قال الرازي : الإنبات يدل على القوة البدنية، فالأمر بالقتل(١٨٢) لذلك لا للبلوغ(١٨٣).
فصل
قال أبو بكر الرازي(١٨٤) : دلَّت هذه الآية على أن من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع، وينهى عن ارتكاب القبائح، فإن الله تعالى أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات.
وقال عليه السلام(١٨٥) :«مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر »(١٨٦).
وقال ابن عمر : يعلم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من شماله. وقال ابن مسعود : إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له حسناته، ولا تكتب عليه سيئاته حتى يحتلم. واعلم أنه إنما يؤمر بذلك تمريناً ليعتاده ويسهل عليه بعد البلوغ(١٨٧).
فصل
قال الأخفش : الحلم : من حلم الرجل بفتح اللام، ومن الحلم : حلم بضم اللام يحلم بكسر اللام(١٨٨).
قوله :«ثَلاَثَ مَرَّاتٍ » فيه وجهان :
أحدهما : أنَّه منصوب على الظرف الزماني(١٨٩)، أي : ثلاثة أوقات، ثم فسَّر تلك الأوقات بقوله :﴿مِّن قَبْلِ صلاة الفجر وَحِينَ تَضَعُونَ ( ثيابكم مِّنَ الظهيرة )(١٩٠) وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء﴾.
والثاني : أنه منصوب على المصدرية(١٩١)، أي ثلاثة(١٩٢) استئذانات.
ورجح أبو حيان هذا فقال : والظاهر(١٩٣) من قوله : ثَلاثَ مرَّاتٍ : ثلاثة استئذاناتٍ، لأنك إذا قلت : ضربتُ ثَلاثَ مراتٍ، لا يفهم منه إلاّ ثلاث ضرباتٍ، ويؤيده قوله عليه السلام(١٩٤) :«الاستئذانُ ثَلاَثٌ »(١٩٥). قال شهاب الدين : مسلَّم أنّ الظاهر كذا، ولكن الظاهر هنا متروك للقرينة المذكورة، وهي التفسير بثلاثة الأوقات المذكورة(١٩٦).
وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية :«الحُلْم » بسكون العين(١٩٧)، وهي تميمية(١٩٨).
قوله :﴿مِّن قَبْلِ صلاة الفجر﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه بدلٌ من قوله :«ثَلاَثَ » فيكون في محل نصب.
الثاني : أنه بدلٌ من «مَرَّاتٍ »(١٩٩) فيكون في محل جرّ.
الثالث : أنه خبرُ مبتدأ مضمر، أي : هي من قَبْلُ، أي : تلكَ المرات، فيكون في محل رفع(٢٠٠).
وقوله :«وَحِينَ تَضَعُونَ » عطف على محل { مِّن قَبْلِ صلاة الفجر »(٢٠١).
قوله :«من الظَّهِيرةِ » فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنَّ «مِنْ » لبيان الجنس، أي : حين ذلك الذي هو الظهيرة.
الثاني : أنها(٢٠٢) بمعنى «في » أي : تضعونها في الظهيرة.
الثالث : أنها بمعنى اللام، ( أي )(٢٠٣) : من أجل حرّ الظهيرة(٢٠٤).
وقوله :﴿وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء﴾ : عطف على ما قبله. والظَّهيرةُ شِدّةُ الحرِّ، وهو انتصاف النهار(٢٠٥).
قوله :«ثلاث عورات ». قرأ الأخوان(٢٠٦) وأبو بكر :«ثَلاَثَ » نصباً. والباقون رفعاً(٢٠٧). فالأولى تحتمل ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنها بدلٌ من قوله :«ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ».
قال ابن عطية : إنما يصح البدلُ بتقدير : أوقاتُ ثلاث عوراتٍ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه(٢٠٨). وكذا قدره الحوفي(٢٠٩) والزمخشري(٢١٠) وأبو البقاء(٢١١)، ويحتمل أنه جعل نفس ثلاث المرات(٢١٢) نفس ثلاث العورات مبالغة فلا يحتاج إلى حذف مضاف، وعلى هذا الوجه - أعني : وجه البدل - لا يجوز الوقف على ما قبل «ثَلاَثَ عَوْرَاتٍ »(٢١٣) لأنه بدل منه وتابع له، ولا يوقف على المتبوع دون تابعه(٢١٤).
الثاني : أنَّ «ثَلاَثَ عَوْراتٍ » بدل من الأوقات المذكورة، قاله أبو البقاء(٢١٥). يعني قوله :﴿مِّن قَبْلِ صلاة الفجر﴾ وما عُطِفَ عليه، ويكون بدلاً على المحل، فلذلك نصب.
الثالث : أن ينْتصب بإضمار فعل.
فقدره أبو البقاء :«أعني »(٢١٦) وأحسن من هذا التقدير : اتقوا، أو احذروا ثلاث(٢١٧).
فأمّا الثانية(٢١٨) : ف «ثَلاَثُ » خبر مبتدأ محذوف تقديره :«هُنَّ(٢١٩) ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ »(٢٢٠).
وقدره أبو البقاء مع حذف مضاف، فقال : أي : هي أوقات ثلاث عورات، فحذف المبتدأ والمضاف(٢٢١). قال شهاب الدين : وقد لا يحتاجُ إليه على جعلِ العَوْرات نَفْسَ الأوقاتِ مبالغةً، وهو المفهوم من كلام الزمخشري، وإن كان قد قدَّر مضافاً، كما تقدم عنه.
قال الزمخشري : ويسمى كل واحد من هذه الأحوال عَوْرةً، لأنَّ الناس يختل تسترهم(٢٢٢) وتحفظُهم فيها. والعَوْرةُ : الخللُ، ومنه أعور الفارسُ، وأعور المكانُ. والأعور : المختل العين(٢٢٣). فهذا منه يؤذن بعدم تقدير «أوقاتٍ » مضاف ل «عوراتٍ » بخلاف كلامه أولاً فيؤخذ من مجموع كلاميه وجهان(٢٢٤).
وعلى قراءة الرفع وعلى الوجهين قبلها في تخريج قراءة(٢٢٥) النصب يوقف على ما قبل «ثَلاَثَ عوراتٍ » لأنها ليست تابعة لما قبلها(٢٢٦). وقرأ الأعمش :«عَورَاتٍ » بفتح الواو(٢٢٧)، وهي لغة هذيل وبني تميم، يفتحون عين «فَعْلاء » واواً أو(٢٢٨) ياءً، وأنشد :
| أَخُو بَيَضَاتٍ رَائِحٌ مُتَأَوِّبٌ | رَفِيقٌ بِمَسْحِ المِنْكَبَيْنِ سَبُوحُ(٢٢٩) |
فصل
المعنى : يستأذنوا في ثلاثة أوقات : من قبل صلاة الفجر، ووقت القيلولة، ومن بعد صلاة العشاء. وخصَّ هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما لا يحب أن يراه أحد من العبيد والصبيان، فأمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، فأما غيرهم فيستأذنون في جميع الأوقات(٢٣٠). وسميت هذه الأوقات عورات لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فتبدو عورته(٢٣١).
فصل
قال بعضهم : إن قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ على أَهْلِهَا﴾(٢٣٢) [النور: ٢٧] يدل على أنّ الاستئذان واجب في كل حال، فنسخ بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة(٢٣٣). قال ابن عباس : لم يكن للقوم ستور ولا حجاب، وكان الخدم والولائد يدخلون، فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأمروا بالاستئذان، وقد بسط الله الرزق، واتخذ الناس الستور، فرأى أن ذلك أغنى عن الاستئذان(٢٣٤).
وقال آخرون : الآية الأولى أريد بها المكلف، لأنه خطاب لمن آمن، والمراد بهذه الآية غير المكلف، لا يدخل(٢٣٥) في بعض الأحوال إلاّ بإذن، وفي بعضها بغير إذن، ولا وجه للنسخ(٢٣٦). فإن قيل : قوله :﴿الذين مَلَكَتْ أيمانكم﴾ يدخل فيه من بلغ، فالنسخ لازم ؟
فالجواب أن قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ﴾(٢٣٧) [النور: ٢٧] لا يدخل تحته العبيد والإماء، فلا يجب النسخ(٢٣٨).
قال أبو عبيد(٢٣٩) : لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ(٢٤٠). وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال : ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس(٢٤١) لا أرى أحداً يعمل(٢٤٢) بهن، قال عطاء : حفظت آيتين ونسيت واحدة، وقرأ(٢٤٣) هذه الآية، وقوله ﴿يا أيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى﴾(٢٤٤) [الحجرات: ١٣] وذكر سعيد بن جبير أن الآية الثالثة :﴿وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى﴾(٢٤٥) [النساء: ٨] الآية(٢٤٦).
قوله :«لَيْسَ عَلَيْكُمْ » هذه الجملة يجوز أن يكون لها محل من الإعراب، وهو الرفع نعتاً ل «ثَلاَثُ عَوْرَات » في قراءة من رفعها، كأنه قيل : هُنَّ ثَلاَثُ عَوْراتٍ مخصوصةٌ بالاستئذان(٢٤٧)، وأَلاَّ يكون لها محل، بل هي كلام مقرر للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة، وذلك في قراءة من نصب «ثَلاَثَ عَوْرَاتٍ »(٢٤٨).
قوله :«بعدهن ». قال أبو البقاء : التقدير : بعد استئذانهم(٢٤٩) فيهن، ثم حذف حرف الجر والفاعل فبقي «بعد استئذانهم »(٢٥٠) ثم حذف المصدر(٢٥١).
يعني بالفاعل : الضمير المضاف إليه الاستئذان، فإنه فاعل معنوي بالمصدر، وهذا غير ظاهر، بل الذي يظهر أن المعنى : ليس عليكم جناح ولا عليهم أي : العبيدُ والإماءُ والصبيانُ «جُنَاحٌ » في عدم الاستئذان بعد هذه الأوقات المذكورة، ولا حاجة إلى التقدير الذي ذكره.
قوله :«طَوَّافُونَ » خبر مبتدأ مضمر تقديره :«هُمْ طَوَّافُونَ »(٢٥٢)، و «عَلَيْكُم » متعلق به.
قوله :﴿بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ﴾. في «بَعْضُكُم » ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مبتدأ، و «عَلَى بَعْضٍ » الخبر(٢٥٣)، فقدره أبو البقاء :«يَطُوفُ على بعض » وتكون هذه الجملة بدلاً مما قبلها، ويجوز أن تكون مؤكدة مبينة(٢٥٤)، يعني : أنها أفادت إفادة الجملة التي قبلها، فكانت بدلاً أو مؤكدة. وردّ أبو حيان هذا بأنه كونٌ مخصوص، فلا يجوز حذفه(٢٥٥).
والجواب عنه : أن الممتنع الحذف إذا لم يدل عليه دليل، وقُصِدَ إقامةُ الجار والمجرور مقامه. وهنا عليه دليل ولم يُقْصَد إقامة الجار مقامه. ولذلك قال الزمخشري : خبره «عَلَى بَعْضٍ » على معنى : طائف على بعض، وحذف ل