اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ﴾ أي : مع رسول الله - ﷺ - ﴿على أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ يجمعهم من حرب حضرت(١٣١)، أو صلاة جمعة، أو عيد، أو جماعة، أو تشاور في أمر نزل. فقوله(١٣٢) «أَمْرٍ جَامِع » من الإسناد المجازي ( لأنه لما كان سبباً في جمعهم نسب الفعل )(١٣٣) إليه مجازاً(١٣٤).
وقرأ اليماني :﴿عَلَى أَمْرٍ جَميعٍ﴾(١٣٥) فيحتمل أن يكون صيغة مبالغة بمعنى «مُجمع » وألا يكون. والجملة الشرطية من قوله :«وَإِذَا كَانُوا » وجوابها عطف على الصلة من قوله :«آمَنُوا ».
والأمر الجامع : هو الذي يعم ضرره أو نفعه، والمراد به : الخطب الجليل الذي لا بُدَّ لرسول الله - ﷺ - من أرباب التجارب ( والآراء ) (١٣٦) ليستعين بتجاربهم، فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يَشُق على قلبه(١٣٧).
قال الكلبي : كان النبي - ﷺ - يُعَرِّضُ في خطبته بالمنافقين ويعيبهم(١٣٨)، فينظر المنافقون يميناً وشمالاً، فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفاً، فنزلت الآية، فكان المؤمن بعد نزول هذه الآية لا يخرج لحاجته حتى يستأذن رسول الله - ﷺ - وكان المنافقون يخرجون بغير إذن(١٣٩).
قال العلماء : كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلاّ بإذن، وهذا إذا لم يكن سبب يمنعه من المقام، ( فإن حدث سبب يمنعه من المقام ) (١٤٠) بأن يكونوا في المسجد فتحيض منهم امرأة، أو يجنب رجل، أو يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان(١٤١).
قال الجبائي : دلَّت الآية على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم، ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان.
والجواب : هذا بناء على أن كلمة «إنما » للحصر، وأيضاً فالمنافقون إنما تركوا الاستئذان استخفافاً، وذلك كفر(١٤٢).
قوله :﴿إِنَّ الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ تعظيماً لك ورعاية للأدب ﴿أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ﴾ أي : يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه. قال الضحاك ومقاتل : المراد : عمر بن الخطاب، وذلك أنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله، فأذن له، وقال :«انطلق، فوالله ما أنت بمنافق » يريد أن يُسْمِع المنافقين ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا ما بال محمد(١٤٣) إذا استأذنه أصحابه أذن لهم، وإذا استأذناه أبى، فوالله ما نراه يعدل (١٤٤).
قال ابن عباس :«إن عمر استأذن رسول الله - ﷺ - في العمرة، فأذن له، ثم قال :«يا أبا حفص(١٤٥) لا تنسنا في صالح دعائك »(١٤٦).
قوله :«لِبَعْض شَأْنِهِمْ » تعليل، أي : لأجل بعض حاجتهم. وأظهر العامةُ الضادَ عند الشين. وأدغمها أبو عمرو فيها، لما بينهما من التقارب، لأن الضاد من أقصَى حافة اللسان والشين من وسطه(١٤٧). وقد استضعف جماعة من النحويين(١٤٨) هذه الرواية واستبعدوها عن أبي عمرو - رأس الصناعة - من حيث إن الضادَ أقوى من الشين، ولا يدغم الأقوى في الأضعف وأساء الزمخشري(١٤٩) على راويها السوسيّ(١٥٠). وقد أجاب الناس عنه، فقيل : وجه الإدغام أن الشين أشد استطالة من الضاد، وفيها تَفَشِّي(١٥١) ليس في الضاد، فقد صارت الضاد أَنْقَصَ منها، وإدغام الأنقص في الأزْيَدِ جائز، قال(١٥٢) : ويُؤَيّد هذا أن سيبويه حكى عن بعض العرب «اطَّجَع » في «اضْطَجع »(١٥٣)، وإذا جاز إدغامها في الطاء فإدغامها في الشين أولى.
والخصم لا يسلم جميع ما ذكر، ومستند المنع واضح.
﴿فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أمرهم ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ بالانصراف، أي : إن شئت فأذن وإن شئت فلا تأذن، ﴿واستغفر لَهُمُ الله﴾ وهذا تنبيه على أن الأولى ألا يستأذنوا وإن أذن، لأن الاستغفار يكون عن ذنب. ويحتمل أن يكون أمره بالاستغفار لهم مقابلة على تمسكهم بإذن الله تعالى في الاستئذان(١٥٥).
قال مجاهد : قوله : فأذن لمن شئت منهم نسخت هذه الآية. وقال قتادة : نسخت هذه الآية بقوله :﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾(١٥٦) [التوبة: ٤٣]. والآية تدل على أنه تعالى فوض إلى رسول الله بعض أمر الدين ليجتهد فيه رأيه(١٥٧).
وقرأ اليماني :﴿عَلَى أَمْرٍ جَميعٍ﴾(١٣٥) فيحتمل أن يكون صيغة مبالغة بمعنى «مُجمع » وألا يكون. والجملة الشرطية من قوله :«وَإِذَا كَانُوا » وجوابها عطف على الصلة من قوله :«آمَنُوا ».
والأمر الجامع : هو الذي يعم ضرره أو نفعه، والمراد به : الخطب الجليل الذي لا بُدَّ لرسول الله - ﷺ - من أرباب التجارب ( والآراء ) (١٣٦) ليستعين بتجاربهم، فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يَشُق على قلبه(١٣٧).
فصل
قال الكلبي : كان النبي - ﷺ - يُعَرِّضُ في خطبته بالمنافقين ويعيبهم(١٣٨)، فينظر المنافقون يميناً وشمالاً، فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفاً، فنزلت الآية، فكان المؤمن بعد نزول هذه الآية لا يخرج لحاجته حتى يستأذن رسول الله - ﷺ - وكان المنافقون يخرجون بغير إذن(١٣٩).
فصل
قال العلماء : كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلاّ بإذن، وهذا إذا لم يكن سبب يمنعه من المقام، ( فإن حدث سبب يمنعه من المقام ) (١٤٠) بأن يكونوا في المسجد فتحيض منهم امرأة، أو يجنب رجل، أو يعرض له مرض فلا يحتاج إلى الاستئذان(١٤١).
فصل
قال الجبائي : دلَّت الآية على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم، ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان.
والجواب : هذا بناء على أن كلمة «إنما » للحصر، وأيضاً فالمنافقون إنما تركوا الاستئذان استخفافاً، وذلك كفر(١٤٢).
قوله :﴿إِنَّ الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ تعظيماً لك ورعاية للأدب ﴿أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ﴾ أي : يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه. قال الضحاك ومقاتل : المراد : عمر بن الخطاب، وذلك أنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله، فأذن له، وقال :«انطلق، فوالله ما أنت بمنافق » يريد أن يُسْمِع المنافقين ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا ما بال محمد(١٤٣) إذا استأذنه أصحابه أذن لهم، وإذا استأذناه أبى، فوالله ما نراه يعدل (١٤٤).
قال ابن عباس :«إن عمر استأذن رسول الله - ﷺ - في العمرة، فأذن له، ثم قال :«يا أبا حفص(١٤٥) لا تنسنا في صالح دعائك »(١٤٦).
قوله :«لِبَعْض شَأْنِهِمْ » تعليل، أي : لأجل بعض حاجتهم. وأظهر العامةُ الضادَ عند الشين. وأدغمها أبو عمرو فيها، لما بينهما من التقارب، لأن الضاد من أقصَى حافة اللسان والشين من وسطه(١٤٧). وقد استضعف جماعة من النحويين(١٤٨) هذه الرواية واستبعدوها عن أبي عمرو - رأس الصناعة - من حيث إن الضادَ أقوى من الشين، ولا يدغم الأقوى في الأضعف وأساء الزمخشري(١٤٩) على راويها السوسيّ(١٥٠). وقد أجاب الناس عنه، فقيل : وجه الإدغام أن الشين أشد استطالة من الضاد، وفيها تَفَشِّي(١٥١) ليس في الضاد، فقد صارت الضاد أَنْقَصَ منها، وإدغام الأنقص في الأزْيَدِ جائز، قال(١٥٢) : ويُؤَيّد هذا أن سيبويه حكى عن بعض العرب «اطَّجَع » في «اضْطَجع »(١٥٣)، وإذا جاز إدغامها في الطاء فإدغامها في الشين أولى.
والخصم لا يسلم جميع ما ذكر، ومستند المنع واضح.
فصل(١٥٤)
﴿فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أمرهم ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ بالانصراف، أي : إن شئت فأذن وإن شئت فلا تأذن، ﴿واستغفر لَهُمُ الله﴾ وهذا تنبيه على أن الأولى ألا يستأذنوا وإن أذن، لأن الاستغفار يكون عن ذنب. ويحتمل أن يكون أمره بالاستغفار لهم مقابلة على تمسكهم بإذن الله تعالى في الاستئذان(١٥٥).
فصل
قال مجاهد : قوله : فأذن لمن شئت منهم نسخت هذه الآية. وقال قتادة : نسخت هذه الآية بقوله :﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾(١٥٦) [التوبة: ٤٣]. والآية تدل على أنه تعالى فوض إلى رسول الله بعض أمر الدين ليجتهد فيه رأيه(١٥٧).