الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ : قال : الزمخشري :" أَدْخَلَ " قد " ليؤكِّد عِلْمَه بما هم عليه من المخالفةِ عن الدينِ والنفاق، ويرجع توكيدُ العلمِ إلى توكيدِ الوعيدِ : وذلك أنَّ " قد " إذا دَخَلَتْ على المضارعِ كانت بمعنى " رُبَّما " فوافَقَتْ " رُبَّما " في خروجِها إلى معنى التكثير في نحو قوله :
فإنْ تُمْسِ مهجورَ الفِناءِ فرُبَّماأقامَ به بعدَ الوُفودِ وُفودُ
ونحوٌ من ذلك قولُ زهير :
أَخي ثقةٍ لا تُهْلِكُ الخمرُ مالَهولكنَّه قد يُهْلِكُ المالَ نائِلُهْ
قال الشيخ :" وكونُ " قد " إذا دَخَلَت على المضارعِ أفادَتِ التكثير قولٌ لبعضِ النحاةِ. وليس بصحيحٍ، وإنما التكثيرُ مفهومٌ من السِّياق. والصحيحُ : أنَّ " رُبَّ " للتقليلِ للشيءِ، أو لتقليلِ نظيرِه. وإنْ فُهِم تكثيرٌ فمِنْ السِّياقِ لا منها ".
﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ﴾ في " يوم " وجهان أحدُهما : أنه مفعولٌ به لا ظرفٌ لعطفِه على قولِه :﴿مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي : يعلمُ الذي أنتم عليه مِنْ جميعِ أحوالِكم، ويَعْلَمُ يومَ يُرْجَعُون كقولِه :﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ﴿لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ﴾. والثاني : أنه ظرفٌ لشيءٍ محذوف. قال ابن عطية :" ويجوزُ أَنْ يكونَ التقديرُ : والعلمُ الظاهرُ لكم أو نحو هذا يومَ، فيكونُ النصبُ على الظرفِ " انتهى.
وقرأ العامَّةُ " يُرْجَعون " مبنياً للمفعول. وأبو عمرو في آخرين مبنياً للفاعلِ. وعلى كلتا القراءتين فيجوزُ وجهان، أحدهما : أَنْ يكونَ في الكلامِ التفاتٌ من الخطابِ في قولِه :﴿مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ إلى الغَيْبة في قوله :" يُرْجَعون ". والثاني : أنَّ " ما أنتم عليه " خطابٌ عامٌّ لكلِّ أحدٍ. والضميرُ في " يُرْجَعُون " للمنافقين خاصةً، فلا التفاتَ حينئذٍ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى