تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( أنزل من السماء ماء ) هذا مثل ضربه الله في القرآن، وضرب الأودية مثلا للقلوب، فقوله :( أنزل من السماء ماء ) أي : مطرا ( فسالت أودية بقدرها ) قرئ :" بقدرها "، قرأها أبو الأشهب العقيلي، والمعنى : بقدرها من الصغر والكبر، وكذلك القلوب تحمل القرآن بقدرها من الضيق والسعة.
وقوله :( فاحتمل السيل زبدا رابيا ) الزبد : هو الخبث الذي يظهر على وجه الماء، وكذلك على وجه القدر، وكذلك على فم البعير. وقوله :( رابيا ) أي : طافيا عاليا تم المثل الأول هاهنا. ثم ذكر مثلا ثانيا، وهو قوله تعالى ( ومما يوقدون عليه في النار ) ومن الذي توقدون عليه، الإيقاد : جعل النار تحت الشيء ليذوب.
وقوله :( ابتغاء حلية ) معناه : لطلب الحلية، والذي أوقد عليه هاهنا هو الذهب والفضة ؛ لأن الحلية تطلب منهما. وقوله :( أو متاع ) معناه : أو طلب متاع، وذلك من الصفر والنحاس وغيره يوقد عليها، والمتاع : هو الأواني المتخذة من هذه الأشياء.
وقوله :( زبد مثله ) أي : زبد مثل زبد الماء ( كذلك يضرب الله الحق والباطل ) أي : كذلك يبين الله الحق والباطل بضرب المثل، ثم قال :( فأما الزبد فيذهب جفاء ) يعني ضائعا باطلا، يقال : أجفأت القدر، إذا زبدت من جوانبها، وذهب الزبد. وذكر أبو زيد اللغوي أن رؤبة بن العجاج قرأ :" فأما الزبد فيذهب جفالا " والمعنى قريب من الأول.
وقوله :( وأما ما ينفع الناس فيمكث ) يعني : الماء والذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر والنحاس. قوله :( فيمكث في الأرض ) أي : يبقى ولا يذهب.
وقوله ( كذلك يضرب الله الأمثال ) جعل هذا مثلا للحق والباطل في القلوب، يعني : أن الباطل كالزبد يذهب ويضيع ويهلك، والحق كالماء وكهذه الأشياء يمكث ويبقى في القلوب، وقال بعضهم : هذا تسلية للمؤمنين، يعني أن أمر المشركين كذلك الزبد، يرى في الصورة شيئا ثابتا وليس له حقيقة. وأمر المؤمنين كالماء المستقر في مكانه، فله الثبات والبقاء، يقال : للباطل جولة، وللحق دولة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى