محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٧ من سورة الرعد في ١١٥ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٧ من سورة الرعد

١١٥ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿أَنَزَلَ مِنَ السماء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَداً رّابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ﴾.
قال أبو جعفر : وهذا مثل ضربه الله للحقّ والباطل والإيمان به والكفر، يقول تعالى ذكره : مثل الحقّ في ثباته والباطل في اضمحلاله مثل ماء أنزله الله من السماء إلى الأرض فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بقَدَرِها يقول : فاحتملته الأودية بملئها الكبير بكبره والصغير بصغره، فاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَدًا رَابيا يقول : فاحتمل السيل الذي حدث عن ذلك الماء الذي أنزله الله من السماء زَبدا عاليا فوق السيل. فهذا أحد مَثَلى الحقّ والباطل، فالحقّ هو الماء الباقي الذي أنزله الله من السماء، والزّبَد الذي لا ينتفع به هو الباطل. والمثل الآخر : وَمِمّا يُوقدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتغاءَ حلْيَةٍ يقول جلّ ثناؤه : ومثل آخر للحقّ والباطل، مثل فضة أو ذهب يُوقد عليها الناس في النار طلب حلية يتخذونها أو متاع، وذلك من النحاس والرصاص والحديد، يوقَد عليه ليتخذ منه متاع ينتفع به زَبَدٌ مِثْلُهُ يقول تعالى ذكره : ومما يوقدون عليه من هذه الأشياء زَبَد مثله، بمعنى : مثل زَبَد السيل لا ينتفع به ويذهب باطلاً، كما لا ينتفع بزبد السيل ويذهب باطلاً. ورفع «الزبد » بقوله : ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ومعنى الكلام : ومما يوقدون عليه في النار زبد مثل زبد السيل في بطول زبده، وبقاء خالص الذهب والفضة. يقول الله تعالى : كذلكَ يَضْرِبُ اللّهُ الحَقّ والباطلَ يقول : كما مثل الله الإيمان والكفر في بطول الكفر وخيبة صاحبه عند مجازاة الله بالباقي النافع من ماء السيل وخالص الذهب والفضة، كذلك يمثل الله الحقّ والباطل. فأمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً يقول : فأما الزبد الذي علا السيل، والذهب والفضة والنحاس والرصاص عند الوقود عليها، فيذهب بدفع الرياح وقذف الماء به وتعلقه بالأشجار وجوانب الوادي. وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ من الماء والذهب والفضة والرصاص والنحاس، فالماء يمكث في الأرض فتشربه، والذهب والفضة تمكث للناس. كذلكَ يَضْرِبُ اللّهَ الأمْثالَ يقول : كما مثل هذا المثل للإيمان والكفر، كذلك يمثل الأمثال.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : أنْزَلَ مِنَ السّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بقَدَرِها فهذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشكّ فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله : فأمّا الزّبَدُ فيذهب جُفاءً وهو الشكّ، وأمّا ما ينفعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ وهو اليقين، كما يجعل الحليّ في النار، فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشكّ.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : أنْزَلَ مِنَ السّماءِ ماءً فَسالَتْ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَدا رَابِيا يقول : احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد، وللنحاس والحديد خبث، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء فأمّا ما يَنْفَعُ النّاسُ فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت. فجعل ذلك مثل العمل الصالح يبقى لأهله، والعمل السيىء يضمحلّ عن أهله، كما يذهب هذا الزبد، فكذلك الهدى والحقّ جاء من عند الله، فمن عمل بالحقّ كان له وبقي كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يجعل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار فتؤكل خبثه، فيخرج جيده فينتفع به، فكذلك يضمحلّ الباطل إذا كان يوم القيامة وأقيم الناس، وعرضت الأعمال، فيريغ الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحقّ بالحقّ، ثم قال : ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثله.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله : أنْزَلَ مِنَ السّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ. . . إلى : أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ فقال : ابتغاء حلية الذهب والفضة، أو متاع الصّفر والحديد. قال : كما أوقد على الذهب والفضة والصفر والحديد فخلص خالصه، قال : كذلكَ يَضْرِبُ اللّهُ الحَقّ والباطِلَ فأمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاء وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كذلك بقاء الحقّ لأهله فانتفعوا.
حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال : حدثنا حجاج بن محمد، قال : قال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول : أَنْزَلَ مِنَ السّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها قال : ما أطاقت ملأها فاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَدا رَابِيا قال : انقضَى الكلام، ثم استقبل فقال :«وَمِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْه فِي النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ » قال : المتاع : الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه، زبد مثله، قال : خبث ذلك مثل زبد السيل. قال : وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ فَأمّا الزبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً قال : فذلك مثل الحقّ والباطل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، أنه سمعه يقول : فذكر نحوه. وزاد فيه : قال : قال ابن جريج : قوله : فأمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً قال : جُمودا في الأرض، وأمّا ما يَنْفَعُ النّاس فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ يعني الماء وهما مَثَلان : مثل الحقّ والباطل.
حدثنا الحسن، قال : حدثنا شبابة، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : زَبَدًا رَابِيا السيل مثل خَبَث الحديد والحلية، فَيَذْهَبُ جُفاءً جمودا في الأرض، ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ الحديد والنحاس والرّصاص وأشباهه. وقوله : وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ إنما هما مثلان للحقّ والباطل.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال : وثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، يزيد أحدهما على صاحبه في قوله : فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها قال : بملئها، فاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَدا رابيا قال : الزبد : السيل ابْتِغاءَ حلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مثْلُهُ قال : خبث الحديد والحلية، فأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهُبُ جُفاءً قال : جمودا في الأرض، وأمّا ما ينفع الناسُ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ قال : الماء وهما مثلان للحقّ والباطل.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أنْزَلَ مِنَ السّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها الصغير بصغره والكبير بكبره، فاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَدا رابِيا أي عاليا، ومِمّا يُوقدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مثْلُهُ كذلكَ يَضْرِبُ اللّهُ الحَقّ والباطلَ فأمّا الزّبَدُ فَيَذْهُب جُفاءً والجفاء : ما يتعلق بالشجر، وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فيَمْكُثُ فِي الأرْضِ. هذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد، يقول : كما اضمحلّ هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته، كذلك يضمحلّ الباطل عن أهله كما اضمحلّ هذا الزبد، وكما مكث هذا الماء في الأرض، فأمرعت هذه الأرض، وأخرجت نباتها، كذلك يبقى الحقّ لأهله كما بقي هذا الماء في الأرض، فأخرج الله به ما أخرج من النبات. قوله : ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ. . . الآية، كما يبقى خالص الذهب والفضة، حين أدخل النار وذهب خَبَثه، كذلك يبقى الحقّ لأهله. قوله : أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ يقول : هذا الحديد والصفر الذي ينتفع به، فيه منافع : يقول : كما يبقى خالص هذا الحديد وهذا الصفر حين أدخل النار وذهب خبثه، كذلك يبقى الحقّ لأهله كما بقي خالصهما.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : فَسالَتْ أوْدِيَة بقَدَرِها الكبير بقدره والصغير بقدره. زَبَدًا رَابيا قال : ربا فوق الماء الزبد. ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ قال : هو الذهب إذا أدخل النار بقي صفوه ونفى ما كان كدره وهذا مثل ضربه اللّهُ. للحقّ والباطل، فأمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً يتعلق بالشجر فلا يكون شيئا مثل الباطل، وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ وهذا يخرج النبات، وهو مثل الحقّ أوْ مَتاعٍ زَبَدُ مِثْلُهُ قال : المتاع : الصّفْر والحديد.
حدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا هَوْذة بن خليفة، قال : حدثنا عوف، قال : بلغني في قوله : أنْزَلَ مِنَ السّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها قال : إنما هو مثل ضربه الله للحقّ والباطل، فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها الصغير على قدره، والكبير على قدره، وما بينهما على قدره. فاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَدًا رَابيا يقول : عظيما، وحيث استقرّ الماء يذهب الزبد جُفاء فتطير به الريح، فلا يكون شيئا، ويبقى صريح الماء الذي ينفع الناس منه شرابهم ونباتهم ومنفعتهم. أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ومثل الزبد كل شيء يوقد عليه في النار الذهب والفضة والنحاس والحديد، فيذهب خبثه ويبقى ما ينفع في أيديهم، والخَبَث والزّبَد مثل الباطل، والذي ينفع الناس مما تحصّل في أيديهم مما ينفعهم المال الذي في أيديهم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ قال : هذا مثل ضربه الله للحقّ والباطل. فقرأ : أنْزَلَ مِنَ السّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَدًا رابيا هذا الزبد لا ينفع، أو متاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ هذا لا ينفع أيضا، قال : وبقي الماء في الأرض فنفع الناس، وبقي الحليُ الذي صلح من هذا، فانتفع الناس به. فأمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كذلكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأمْثالَ وقال : هذا مثل ضربه الله للحقّ والباطل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها قال : الصغير بصغره، والكبير بكبره.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال :
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
٢٠٣٠٩- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٢٠٣١٠-... قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن كثير: سمعت مجاهدًا يقول: (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم) ضُرِبت مثلا.
* * *
وقوله: (قل الله خالق كل شيء)، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين إذا أقرُّوا لك أن أوثانهم التي أشركوها في عبادة الله لا تخلق شيئًا، فاللهُ خالقكم وخالق أوثانكم وخالق كل شيء، (١) فما وجه إشراككم ما لا يخلق ولا يضرّ؟
* * *
وقوله: (وهو الواحد القهار)، يقول: وهو الفرد الذي لا ثاني له (٢) = (القهار)، الذي يستحق الألوهة والعبادة، لا الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع. (٣)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ (١٧)﴾
قال أبو جعفر: وهذا مثل ضربه الله للحق والباطل، والإيمان به والكفر.
يقول تعالى ذكره: مثل الحق في ثباته والباطل في اضمحلاله، مثل ماء
(١) في المطبوعة والمخطوطة:" وخلق كل شيء"، والذي أثبت أجود.
(٢) انظر تفسير" الواحد" فيما سلف ٣: ٢٦٥، ٢٦٦ / ١٦: ١٠٤.
(٣) انظر تفسير" القهار" فيما سلف ص: ١٠٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
أنزله الله من السماء إلى الأرض= (فسالت أوديةٌ بقدرها)، يقول: فاحتملته الأودية بملئها، الكبير بكبره، والصغير بصغره= (فاحتمل السيل زبدًا رابيًا)، يقول: فاحتمل السيل الذي حدث عن ذلك الماء الذي أنزله الله من السماء، زبدًا عاليًا فوق السيل.
فهذا أحدُ مثلي الحقّ والباطل، فالحق هو الماءُ الباقي الذي أنزله الله من السماء، والزبد الذي لا ينتفع به هو الباطل.
والمثل الآخر: (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية) يقول جل ثناؤه: ومثلٌ آخر للحقّ والباطل، مثل فضة أو ذهب يوقد عليها الناس في النار طلب حلية يتخذونها أو متاع، وذلك من النحاس والرصاص والحديد، يوقد عليه ليتخذ منه متاع ينتفع به، (زبد مثله)، يقول تعالى ذكره: ومما يوقدون عليه من هذه الأشياء زبد مثله، يعني: مثل زبد السَّيل لا ينتفع به ويذهب باطلا كما لا ينتفع بزبد السَّيل ويذهب باطلا.
* * *
ورفع"الزبد" بقوله: (ومما يوقدون عليه في النار).
* * *
ومعنى الكلام: ومما يوقدون عليه في النار زبدٌ مثلُ زبد السيل في بطول زبده، وبقاء خالص الذهب والفضة.
يقول الله تعالى: (كذلك يضرب الله الحق والباطل)، يقول: كما مثَّل الله مثلَ الإيمان والكفر، (١) في بُطُول الكفر وخيبة صاحبه عند مجازاة الله، بالباقي النافع من ماء السيل وخالص الذهب والفضة، كذلك يمثل الله الحق والباطل = (فأما الزبد فيذهب جُفَاء) يقول: فأما الزبد الذي علا السيل والذهب والفضة والنحاس والرصاص عند الوقود عليها، فيذهب بدفع الرياح وقذف الماء به، وتعلُّقه بالأشجار وجوانب الوادي= (وأما ما ينفع الناس) من الماء والذهب والفضة والرصاص
(١) في المطبوعة:" كما مثل الله الإيمان.."، حذف ما أثبته من المخطوطة.
والنحاس، فالماء يمكثُ في الأرض فتشربه، والذهب والفضة تمكث للناس= (كذلك يضرب الله الأمثال) يقول: كما مثَّل هذا المثل للإيمان والكفر، كذلك يمثل الأمثال.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
٢٠٣١١- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (أنزل من السماء ماء فسالت أوديه بقدرها) فهذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكّها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: (فأما الزبد فيذهب جفاء)، وهو الشك= (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، وهو اليقين، كما يُجْعل الحَلْيُ في النار فيؤخذ خالصُه ويترك خَبَثُه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك.
٢٠٣١٢- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدًا رابيًا)، يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودِمْنة، (ومما يوقدون عليه في النار) فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد، وللنحاس والحديد خَبَث، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء. فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت. فجعل ذلك مثل العمل الصالح يبقى لأهله، والعمل السيءُ يضمحل عن أهله، كما يذهب هذا الزبد، فكذلك الهدى والحق جاء من عند الله، فمن عمل بالحق كان له، وبقي كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض. وكذلك الحديد لا يستطاع أن تجعل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النّار فتأكل خبَثَه، فيخرج جيّده فينتفع به.
فكذلك يضمحل الباطل إذا كان يوم القيامة، وأقيم الناس، وعرضت الأعمال، فيزيغ الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق، ثم قال: (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حِلْية أو متاع زبدٌ مثله).
٢٠٣١٣- حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية) إلى: (أو متاع زبد مثله)، فقال: ابتغاء حلية الذهب والفضة، أو متاع الصُّفْر والحديد. قال: كما أوقد على الذهب والفضة والصُّفْر والحديد فخلص خالصه. قال: (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، كذلك بقاء الحق لأهله فانتفعوا به.
٢٠٣١٤- حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها)، قال: ما أطاقت ملأها= (فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) قال: انقضى الكلام، ثم استقبل فقال: (ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حليه أو متاع زبد مثله) قال: المتاع: الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه= (زبد مثله) قال: خَبَثُ ذلك مثل زَبَد السيل. قال: (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، وأما الزبد فيذهب جفاء، قال: فذلك مثل الحق والباطل.
٢٠٣١٥- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: أنه سمعه يقول: فذكر نحوه= وزاد فيه، قال: قال ابن جريج: قال مجاهد قوله: (فأما الزبد فيذهب جفاء) قال: جمودًا في الأرض، (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، يعني الماء. وهما مثلان: مثل الحق والباطل.
٢٠٣١٦- حدثنا الحسن قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء، عن ابن
أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (زبدًا رابيًا) السيل مثل خَبَث الحديد والحلية= (فيذهب جفاء) جمودًا في الأرض = (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله)، الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه. وقوله: (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، إنما هما مثلان للحق والباطل.
٢٠٣١٧- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد=
٢٠٣١٨-... قال، وحدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد= يزيد أحدهما على صاحبه= في قوله: (فسألت أودية بقدرها) قال: بملئها= (فاحتمل السيل زبدًا رابيًا)، قال: الزبد: السيل= (ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله)، قال: خبث الحديد والحلية= (فأما الزبد فيذهب جفاء) قال: جمودًا في الأرض= (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) قال: الماء وهما مثلان للحق والباطل.
٢٠٣١٩- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها)، الصغير بصغره، والكبير بكبره= (فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) أي عاليًا (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء) و"الجفاء": ما يتعلق بالشجر= (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض). هذه ثلاثة أمثال ضربَها الله في مثلٍ واحد. يقول: كما اضمحلّ هذا الزبد فصار جُفاءً لا ينتفع به ولا تُرْجى بركته، كذلك يضمحلّ الباطل عن أهله كما اضمحل هذا الزبد، وكما مكث هذا الماء في الأرض، فأمرعت هذه الأرض وأخرجت نباتها، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي هذا الماء في الأرض، فأخرج الله به ما أخرج من النبات= قوله: (ومما توقدون عليه في النار) الآية، كما يبقى خالص الذهب والفضة حين أدخل النار وذهب خَبَثه، كذلك يبقى الحق
لأهله= قوله: (أو متاع زبد مثله)، يقول: هذا الحديد والصُّفْر الذي ينتفع به فيه منافع. يقول: كما يبقى خالص هذا الحديد وهذا الصُّفر حين أدخل النار وذهب خَبَثه، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما.
٢٠٣٢٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (فسالت أودية بقدرها)، الكبير بقدره، والصغير بقدره= (زبدًا رابيًا) قال: ربا فوق الماء الزبد="ومما توقدون عليه في النار" قال: هو الذهب إذا أدخل النار بقي صَفْوه ونُفِيَ ما كان من كَدَره. وهذا مثل ضربه الله. للحق والباطل= (فأما الزبد فيذهب جفاء)، يتعلق بالشجر فلا يكون شيئًا. هذا مثل الباطل= (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، وهذا يخرج النبات. وهو مثل الحق= (أو متاع زبد مثلا) قال:"المتاع"، الصُّفْر والحديد.
٢٠٣٢١- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا هوذة بن خليفة قال: حدثنا عوف قال: بلغني في قوله: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) قال: إنما هو مثل ضربه الله للحق والباطل= (فسالت أودية بقدرها) الصغير على قدره، والكبير على قدره، وما بينهما على قدره (فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) يقول: عظيمًا، وحيث استقرَّ الماءُ يذهب الزبد جفاءً فتطير به الريح فلا يكون شيئًا، ويبقى صريح الماء الذي ينفع الناس، منه شرابهم ونباتهم ومنفعتهم= (أو متاع زبد مثله)، ومثل الزبد كلّ شيء يوقد عليه في النار الذهب والفضة والنحاس والحديد، فيذهب خَبَثُه ويبقى ما ينفع في أيديهم، والخبث والزَّبد مثل الباطل، والذي ينفع الناس مما تحصَّل في أيديهم مما ينفعهم المال الذي في أيديهم.
٢٠٣٢٢- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:"ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله" قال: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل. فقرأ: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) هذا الزبد لا ينفع= (أو متاع زبد مثله)، هذا لا ينفع
أيضًا قال: وبقي الماءُ في الأرض فنفع الناس، وبقي الحَلْيُ الذي صلح من هذا، فانتفع الناس به= (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال)، وقال: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل.
٢٠٣٢٣- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: (أودية بقدرها) قال: الصغير بصغره، والكبير بكبره.
٢٠٣٢٤- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء: ضرب الله مثلا للحق والباطل، فضرب مثل الحق كمثل السيل الذي يمكث في الأرض، وضرب مثل الباطل كمثل الزبد الذي لا ينفع الناس.
* * *
وعنى بقوله: (رابيًا)، عاليًا منتفخًا، من قولهم: رَبَا الشيء يَرْبُو رُبُوًا فهو رابٍ، ومنه قيل للنَّشْز من الأرض كهيئة الأكمة:"رابية"، ومنه قول الله تعالى: (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ). [سورة الحج٥/سورة فصلت٣٩]. (١)
* * *
وقيل للنحاس والرصاص والحديد في هذا الموضع"المتاع"، لأنه يستمتع به، وكل ما يتمتع به الناس فهو"متاع"، (٢)
كما قال الشاعر: (٣)
تَمَتَّعْ يا مُشَعَّثُ إنَّ شَيْئًاسَبَقْتَ بِهِ المَمَاتَ هُوَ المَتَاعُ (٤)
* * *
(١) انظر تفسير" ربا" فيما سلف ٦: ٧.
(٢) انظر تفسير" المتاع" فيما سلف ١٥: ١٤٦، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
(٣) هو المشعث العامري، وبهذا البيت سمي" مشعثًا".
(٤) الأصمعيات رقم: ٤٨، ومعجم الشعراء: ٤٧٥، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٢٨، واللسان (متع)، وهي أبيات جياد، يقول بعد البيت:
بإصْر يَتَّرِكْنِي الحيُّ يومًارَهينةَ دَارِهمْ، وَهُمُ سِرَاعُ
وجاءَتْ جَيْأَلٌ وَأبُو بَنِيهَاأَحَمُّ المَأْقِيَيْنِ بِهِ خُمَاعُ
فظَلاَّ ينْبِشانِ التُّرْبَ عنِّيوما أنَا وَيْبَ غيْرِك والسِّباعُ
يقول: ليأتيني الأجل، فيتركني أهلي دفينًا في ديارهم، ثم يسرعون الرحيل. ثم تأتي" جيأل"، وهي أنثى الضباع، ويأتي ذكرها، أسود مأق العين، يخمع ويعرج، فينبشان الترب عني، ولا دفع عندي لما يفعلان.
وأما الجفاء فإني:
٢٠٣٢٥- حدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال أبو عمرو بن العلاء: يقال: قد أجفأت القِدْرُ، وذلك إذا غلت فانصبَّ زَبدها، أو سَكنَت فلا يبقى منه شيءٌ. (١)
* * *
وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة، أن معنى قوله: (فيذهب جفاء) تنشِفهُ الأرض، وقال: يقال: جفا الوادي وأجفى في معنى نشف،"وانجفى الوادي" (٢)
، إذا جاء بذلك الغثاء،"وغَثَى الوادي فهو يَغْثَى غَثْيًا وغَثَيَانًا" (٣) وذكر عن العرب أنها تقول:"جفأتُ القدر أجفؤها"، إذا أخرجتَ جُفَاءها، وهو الزبد الذي يعلوها= و"أجفأتها إجفاء" لغة. قال: وقالوا:"جفأت الرجل جَفْأً": صرعته.
وقيل: (فيذهب جفاء) بمعنى"جفًأ"، لأنه مصدر من قول القائل:"جفأ الوادي غُثاءه، فخرج مخرج الاسم، وهو مصدر، كذلك تفعل العرب في مصدر كلّ ما كان من فعل شيء اجتمع بعضُه إلى بعض كـ"القُمَاش والدُّقاق والحُطام والغُثَاء"، تخرجه على مذهب الاسم، كما فعلت ذلك في
(١) هذا نص كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ١: ٣٢٩.
(٢) هذا نص لا شبيه له في كتب اللغة في مادة (جفا)، ولا في مادة (جفأ)، وبين أنه أراد" جفا وأجفى" المعتل الآخر، لا المهموز، ولا أدري من قاله.
(٣) هذا أيضًا لا أدري من قاله قبل زمان أبي جعفر، إلا أن صاحب اللسان ذكر مثله عن ابن جني، والمعروف عند أهل اللغة:" غثا الوادي يغثو".

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى :﴿أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي : مطرا، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أي : أخذ كل واد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرا من الماء، وهذا صغير فوسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علما كثيرا، ومنها ما لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ أي : فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زَبَدٌ عال عليه، هذا مثل، وقوله :﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ هذا هو المثل الثاني، وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ أي : ليجعل حلية أو نحاسا أو حديدًا، فيجعل متاعا فإنه يعلوه زبد منه، كما يعلو ذلك(١) زبد منه. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي : إذا اجتمعا لا ثبات للباطل ولا دوام له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء، ولا مع الذهب ونحوه مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل ؛ ولهذا قال :﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ أي : لا ينتفع به، بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر وتنسفه الرياح. وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس يذهب، لا يرجع(٢) منه شيء، ولا يبقى إلا الماء(٣) وذلك الذهب ونحوه ينتفع به ؛ ولهذا قال :﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ﴾ كما قال تعالى :﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
قال بعض السلف : كنت إذا قرأتُ مثلا من القرآن فلم أفهمه بَكَيت على نفسي ؛ لأن الله تعالى يقول :﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : قوله تعالى :﴿أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾
هذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله. وهو قوله :﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [ وهو الشك ](٤) ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ﴾ وهو اليقين، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خَبَثه في النار ؛ فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك.
وقال العوفي عن ابن عباس قوله :﴿أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ يقول : احتمل السيل ما في الوادي من عود ودِمْنَة(٥) ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد، فللنحاس والحديد خبث، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت. فجعل ذاك(٦) مثل العمل الصالح يبقى لأهله، والعمل السيئ يضمحل عن أهله، كما يذهب هذا الزبد، فكذلك الهدى والحق جاءا من عند الله، فمن عمل بالحق كان له، ويبقى كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض. وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار فتأكل خبَثَه، ويخرج جيده فينتفع به. كذلك يضمحل الباطل إذا كان يوم القيامة، وأقيم الناس، وعرضت الأعمال، فيزيغ الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق.
وكذلك رُوي في تفسيرها عن مجاهد، والحسن البصري، وعطاء، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف.
وقد ضرب الله، سبحانه وتعالى، في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين ناريا ومائيا، وهما قوله :﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الآية [البقرة: ١٧]، ثم قال :﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩]. وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين، أحدهما : قوله :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور: ٣٩] الآية، والسراب إنما يكون في شدة الحر ؛ ولهذا جاء في الصحيحين :" فيقال لليهود يوم القيامة : فما تريدون ؟ فيقولون : أيْ رَبَّنا، عطشنا فاسقنا. فيقال : ألا تردون ؟ فيردون النار فإذا هي كالسراب يَحْطِم بعضها بعضا ".
ثم قال في المثل الآخر :﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ الآية [النور: ٤٠]. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله ﷺ :" إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت(٧) الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا، وأصابت طائفة منها [ أخرى ](٨) إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من
فَقه في دين الله ونَفَعه الله بما بعثني(٩) ونفع به، فَعَلِم وَعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هُدَى الله الذي أرسلت به ". (١٠) فهذا مثل مائي، وقال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد :
حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن همام بن مُنَبِّه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال :" مثلي ومثلكم، كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله(١١) جعل الفراش وهذه(١٢) الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجُزُهُنَّ ويغلبنه فيقتحمن فيها ". قال :" فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحُجزكم عن النار، هَلُمّ عن النار [ هَلُمّ عن النار، هَلُمّ ](١٣) فتغلبوني فتقتحمون فيها ". وأخرجاه في الصحيحين أيضا(١٤) فهذا مثل ناري.
١ - في ت :"ذاك"..
٢ - في ت، أ :"منه إلى شيء"..
٣ - في ت، أ :"ويبقى الماء"..
٤ - زيادة من ت، أ..
٥ - في أ :"ورمة"..
٦ - في ت، أ :"ذلك"..
٧ - في ت :"وأنبتت"..
٨ - زيادة من ت، أ، والصحيحين..
٩ - في ت، أ :"بعثني به"..
١٠ - صحيح البخاري برقم (٧٩) وصحيح مسلم برقم (٢٢٨٢)..
١١ - في ت :"ما حولها"..
١٢ - في أ :"وهذا"..
١٣ - زيادة من ت، أ، والمسند..
١٤ - المسند (٢/٣١٢) وصحيح البخاري برقم (٦٤٨٢) وصحيح مسلم برقم (٢٢٨٤) وهو عنده من هذا الطريق..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
ذلك، وهو تعالى لا يشفع عنده أحدإلا بِإِذْنِهِ، ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٣]، ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْمِ: ٢٦] وَقَالَ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٣ -٩٥] فَإِذَا كَانَ الْجَمِيعُ عَبِيدًا، فَلِمَ يَعْبُدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَالِاخْتِرَاعِ وَالِابْتِدَاعِ؟ ثُمَّ قَدْ أَرْسَلَ رُسُلَهُ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ تَزْجُرُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَتَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ مِنْ سِوَى اللَّهِ، فَكَذَّبُوهُمْ وَخَالَفُوهُمْ، فَحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ لَا مَحَالَةَ، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٩].
﴿أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ (١٧)﴾
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى مَثَلَيْنِ مَضْرُوبَيْنِ لِلْحَقِّ فِي ثَبَاتِهِ وَبَقَائِهِ، وَالْبَاطِلِ فِي اضْمِحْلَالِهِ وَفَنَائِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أَيْ: مَطَرًا، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أَيْ: أَخَذَ كُلُّ وَادٍ بِحَسْبِهِ، فَهَذَا كَبِيرٌ وَسِعَ كَثِيرًا مِنَ الْمَاءِ، وَهَذَا صَغِيرٌ فَوَسِعَ بِقَدْرِهِ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْقُلُوبِ وَتَفَاوُتِهَا، فَمِنْهَا مَا يَسَعُ عِلْمًا كَثِيرًا، وَمِنْهَا مَا لَا يَتَّسِعُ لِكَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ بَلْ يَضِيقُ عَنْهَا، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ أَيْ: فَجَاءَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ الَّذِي سَالَ فِي هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ زَبَدٌ عَالٍ عَلَيْهِ، هَذَا مَثَلٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ هَذَا هُوَ الْمَثَلُ الثَّانِي، وَهُوَ مَا يُسْبَكُ فِي النَّارِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ أَيْ: لِيَجْعَلَ حِلْيَةً أَوْ نُحَاسًا أَوْ حَدِيدًا، فَيُجْعَلُ مَتَاعًا فَإِنَّهُ يَعْلُوهُ زَبَدٌ مِنْهُ، كَمَا يَعْلُو ذَلِكَ (١) زَبَدٌ مِنْهُ. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أَيْ: إِذَا اجْتَمَعَا لَا ثَبَاتَ لِلْبَاطِلِ وَلَا دَوَامَ لَهُ، كَمَا أَنَّ الزَّبَدَ لَا يَثْبُتُ مَعَ الْمَاءِ، وَلَا مَعَ الذَّهَبِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُسْبَكَ فِي النَّارِ، بَلْ يَذْهَبُ وَيَضْمَحِلُّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ أَيْ: لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، بَلْ يَتَفَرَّقُ وَيَتَمَزَّقُ وَيَذْهَبُ فِي جَانِبَيِ الْوَادِي، وَيَعْلَقُ بِالشَّجَرِ وَتَنْسِفُهُ الرِّيَاحُ. وَكَذَلِكَ خَبَثُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ يَذْهَبُ، لَا يَرْجِعُ (٢) مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا الْمَاءُ (٣) وَذَلِكَ الذَّهَبُ وَنَحْوُهُ يُنْتَفَعُ بِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٤٣].
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كُنْتُ إِذَا قرأتُ مَثَلًا مِنَ الْقُرْآنِ فَلَمْ أَفْهَمْهُ بَكَيت عَلَى نَفْسِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾
(١) في ت: "ذاك".
(٢) في ت، أ: "منه إلى شيء".
(٣) في ت، أ: "ويبقى الماء".
هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ، احْتَمَلَتْ مِنْهُ الْقُلُوبُ عَلَى قَدْرِ يَقِينِهَا وَشَكِّهَا، فَأَمَّا الشَّكُّ فَلَا يَنْفَعُ مَعَهُ الْعَمَلُ، وَأَمَّا الْيَقِينُ فَيَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَهْلَهُ. وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [وَهُوَ الشَّكُّ] (١) ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ﴾ وَهُوَ الْيَقِينُ، وَكَمَا يُجْعَلُ الْحُلِيُّ فِي النَّارِ فَيُؤْخَذُ خَالَصُهُ وَيُتْرَكُ خَبَثه فِي النَّارِ؛ فَكَذَلِكَ يَقْبَلُ اللَّهُ الْيَقِينَ وَيَتْرُكُ الشَّكَّ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ يَقُولُ: احْتَمَلَ السَّيْلُ مَا فِي الْوَادِي مِنْ عُودٍ ودِمْنَة (٢) ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ فَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْحِلْيَةُ وَالْمَتَاعُ وَالنُّحَاسُ وَالْحَدِيدُ، فَلِلنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ خَبَثٌ، فَجَعَلَ اللَّهُ مَثَلَ خَبَثِهِ كَزَبَدِ الْمَاءِ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ الْأَرْضَ فَمَا شَرِبَتْ مِنَ الْمَاءِ فَأَنْبَتَتْ. فَجَعَلَ ذَاكَ (٣) مِثْلَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَبْقَى لِأَهْلِهِ، وَالْعَمَلِ السَّيِّئِ يَضْمَحِلُّ عَنْ أَهْلِهِ، كَمَا يَذْهَبُ هَذَا الزَّبَدُ، فَكَذَلِكَ الْهُدَى وَالْحَقُّ جَاءَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَمَنْ عَمِلَ بِالْحَقِّ كَانَ لَهُ، وَيَبْقَى كَمَا يَبْقَى مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فِي الْأَرْضِ. وَكَذَلِكَ الْحَدِيدُ لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُعْمَلَ مِنْهُ سِكِّينٌ وَلَا سَيْفٌ حَتَّى يُدْخَلَ فِي النَّارِ فَتَأْكُلُ خبَثَه، وَيُخْرَجُ جَيِّدُهُ فَيُنْتَفَعُ بِهِ. كَذَلِكَ يَضْمَحِلُّ الْبَاطِلُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَأُقِيمَ النَّاسُ، وَعُرِضَتِ الْأَعْمَالُ، فَيَزِيغُ الْبَاطِلُ وَيَهْلَكُ، وَيَنْتَفِعُ أَهْلُ الْحَقِّ بِالْحَقِّ.
وَكَذَلِكَ رُوي فِي تَفْسِيرِهَا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لِلْمُنَافِقِينَ مَثَلَيْنِ نَارِيًّا وَمَائِيًّا، وَهُمَا قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ١٧]، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ١٩]. وَهَكَذَا ضَرَبَ لِلْكَافِرِينَ فِي سُورَةِ النُّورِ مَثَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النُّورِ: ٣٩] الْآيَةَ، وَالسَّرَابُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: فَمَا تُرِيدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: أيْ رَبَّنا، عَطِشْنَا فَاسْقِنَا. فَيُقَالُ: أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيَرِدُونَ النَّارَ فَإِذَا هِيَ كَالسَّرَابِ يَحْطِم بَعْضُهَا بَعْضًا".
ثُمَّ قَالَ فِي الْمَثَلِ الْآخَرِ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ الْآيَةَ [النُّورِ: ٤٠]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ (٤) الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبَ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَرَعَوْا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ طَائِفَةً مِنْهَا [أُخْرَى] (٥) إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كلأ فذلك مثل من
(١) زيادة من ت، أ.
(٢) في أ: "ورمة".
(٣) في ت، أ: "ذلك".
(٤) في ت: "وأنبتت".
(٥) زيادة من ت، أ، والصحيحين.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١٧ } ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾
شبّه تعالى الهدى الذي أنزله على رسوله لحياة القلوب والأرواح، بالماء الذي أنزله لحياة الأشباح، وشبّه ما في الهدى من النفع العام الكثير الذي يضطر إليه العباد، بما في المطر من النفع العام الضروري، وشبه القلوب الحاملة للهدى وتفاوتها بالأودية التي تسيل فيها السيول، فواد كبير يسع ماء كثيرا، كقلب كبير يسع علما كثيرا، وواد صغير يأخذ ماء قليلا، كقلب صغير، يسع علما قليلا، وهكذا.
وشبه ما يكون في القلوب من الشهوات والشبهات عند وصول الحق إليها، بالزبد الذي يعلو الماء ويعلو ما يوقد عليه النار من الحلية التي يراد تخليصها وسبكها، وأنها لا تزال فوق الماء طافية مكدرة له حتى تذهب وتضمحل، ويبقى ما ينفع الناس من الماء الصافي والحلية الخالصة.
كذلك الشبهات والشهوات لا يزال القلب يكرهها، ويجاهدها بالبراهين الصادقة، والإرادات الجازمة، حتى تذهب وتضمحل ويبقى القلب خالصا صافيا ليس فيه إلا ما ينفع الناس من العلم بالحق وإيثاره، والرغبة فيه، فالباطل يذهب ويمحقه الحق ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ وقال هنا :﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ ليتضح الحق من الباطل والهدى والضلال.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
ومن المحال أيضا أن يوجد من دون خالق، فتعين أن لها إلها خالقا لا شريك له في خلقه لأنه الواحد القهار، فإنه لا توجد الوحدة والقهر إلا لله وحده، فالمخلوقات وكل مخلوق فوقه مخلوق يقهره ثم فوق ذلك القاهر قاهر أعلى منه، حتى ينتهي القهر للواحد القهار، فالقهر والتوحيد متلازمان متعينان لله وحده، فتبين بالدليل العقلي القاهر، أن ما يدعى من دون الله ليس له شيء من خلق المخلوقات وبذلك كانت عبادته باطلة.
-[٤١٦]-
{١٧} ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ﴾.
شبّه تعالى الهدى الذي أنزله على رسوله لحياة القلوب والأرواح، بالماء الذي أنزله لحياة الأشباح، وشبّه ما في الهدى من النفع العام الكثير الذي يضطر إليه العباد، بما في المطر من النفع العام الضروري، وشبه القلوب الحاملة للهدى وتفاوتها بالأودية التي تسيل فيها السيول، فواد كبير يسع ماء كثيرا، كقلب كبير يسع علما كثيرا، وواد صغير يأخذ ماء قليلا كقلب صغير، يسع علما قليلا وهكذا.
وشبه ما يكون في القلوب من الشهوات والشبهات عند وصول الحق إليها، بالزبد الذي يعلو الماء ويعلو ما يوقد عليه النار من الحلية التي يراد تخليصها وسبكها، وأنها لا تزال فوق الماء طافية مكدرة له حتى تذهب وتضمحل، ويبقى ما ينفع الناس من الماء الصافي والحلية الخالصة.
كذلك الشبهات والشهوات لا يزال القلب يكرهها، ويجاهدها بالبراهين الصادقة، والإرادات الجازمة، حتى تذهب وتضمحل ويبقى القلب خالصا صافيا ليس فيه إلا ما ينفع الناس من العلم بالحق وإيثاره، والرغبة فيه، فالباطل يذهب ويمحقه الحق ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ وقال هنا: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ﴾ ليتضح الحق من الباطل والهدى والضلال.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٥ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم — ابن القيم التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
بِقَدَرِهَا
بِقَدْرِ صِغَرِ الأَوْدِيَةِ وَكِبَرِهَا.
زَبَدًا
غُثَاءً لَا نَفْعَ فِيهِ.
رَّابِيًا
مُرْتَفِعًا.
جُفَاءً
مُتَلَاشِيًا لَا بَقَاءَ لَهُ، أَوْ يُرْمَى بِهِ؛ إِذْ لَا فَائِدَةَ مِنْهُ.

إعراب الآية ١٧ من سورة الرعد

من كتاب: إعراب القرآن

وقيل أنّه مجاز وأنه الصّوت فيكون معنى يسبح يدلّ على تنزيه الله جلّ وعزّ من الأشباه فنسب التسبيح إليه مجازا.

[سورة الرعد (١٣) : آية ١٤]

لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤)
وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ أي وما دعاء الكافرين الأوثان. إِلَّا فِي ضَلالٍ عن الصواب وعن الانتفاع بالإجابة.

[سورة الرعد (١٣) : آية ١٥]

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥)
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قد تكلّم العلماء في معنى هذا، ومن أحسن ما قيل أنّ السجود هاهنا الخضوع لتدبير الله جلّ وعزّ وتصريفه من صحّة وسقم وغيرهما.
طَوْعاً وَكَرْهاً أي ينقادون على ما أحبّوا أو كرهوا لا حيلة لهم في ذلك، وظلالهم أيضا منقادة لتدبير الله جلّ وعزّ وإجرائه الشمس بزيادة الظلّ ونقصانه وزواله بتصرّف الزمان وجري الشّمس على ما دبّره جلّ وعزّ.

[سورة الرعد (١٣) : آية ١٦]

قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)
هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي المؤمن والكافر. أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أي الكفر والإيمان.

[سورة الرعد (١٣) : آية ١٧]

أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧)
فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها قال أهل التفسير: أي بقدر ملئها، وقيل: ما قدّر لها.
فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً تم الكلام ثم قال جلّ وعزّ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ رفع بالابتداء عند البصريين، وقال الكسائي: ارتفع لأن معناه مما توقدون عليه في النار زبد، قال: وهو الغثاء. وقد غثى يغثي غثيا وغثيانا وهو ما لا ينتفع به مثله أي مثل زبد البحر. كَذلِكَ في موضع نصب، فَأَمَّا الزَّبَدُ أي من هذه الأشياء. فَيَذْهَبُ جُفاءً على الحال من قولهم: انجفأت القدر إذا رمت بزبدها، وهو الغثاء أيضا.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٧ من سورة الرعد

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

النَّارِ

بالإمالة

الدوري عن الكسائي الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

بالتقليل

ورش عن نافع

بالفتح

هشام عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة ابن وردان عن أبي جعفر خلف عن حمزة حفص عن عاصم ابن جمّاز عن أبي جعفر شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب قنبل عن ابن كثير إسحاق عن خلف البزي عن ابن كثير إدريس عن خلف قالون عن نافع

يُوقِدُونَ

(تُوقِدُونَ) بالتاء

قالون عن نافع ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب ابن وردان عن أبي جعفر شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع

(يُوقِدُونَ) بالياء

أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة الدوري عن الكسائي خلف عن حمزة حفص عن عاصم إسحاق عن خلف إدريس عن خلف
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٧ من سورة الرعد

١١ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٥ قولًا
١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿فسالتْ أودية بقدرها﴾ الآية، قال: فمَرَّ السَّيلُ على رأسه مِن التراب والغُثاءِ حتى استقَرَّ في القَرارِ وعليه الزَّبَدُ، فضَرَبَتْه الريحُ، فذهب الزَّبَدُ جفاءً إلى جوانبه، فيَبِس، فلم ينفع أحدًا، وبَقِي الماءُ الذي ينتفع به الناسُ، فشربوا منه، وسَقَوْا أنعامهم، فكما ذهب الزَّبَدُ فلم ينفع، فكذلك الباطلُ يَضْمَحِلُّ يوم القيامة فلا ينفع أهله، وكما نفع الماءُ فكذلك ينفعُ الحقُّ أهله، هذا مَثَلٌ ضربه الله١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿أنزَلَ من السَّماء ماءً﴾ الآية، قال: هذا مَثَلٌ ضربه اللهُ، احْتَمَلَتْ مِنه القلوبُ على قدْرِ يقينها وشكِّها؛ فأمّا الشَّكُّ فما ينفع معه العَمَلُ، وأَمّا اليقين فينفعُ الله به أهلَه، وهو قولُه: ﴿فأمّا الزبدُ فَيَذهبُ جُفاءً﴾ وهو الشكُّ، ﴿وأمّا ما ينفعُ النّاس فيمكُثُ في الأرضِ﴾ وهو اليقينُ، وكما يُجْعَلُ الحُلِيُّ في النار، فيؤخذُ خالصُه به، ويُتْرَكُ خَبَثُه في النار؛ كذلك يقبلُ اللهُ اليقينَ، ويترُكُ الشَّكَّ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٤٩٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢نقل ابنُ عطية (٥/١٩٧) عن ابن عباس أن «قوله تعالى: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ يريد به: الشَّرْعَ والدِّين، وقوله تعالى: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ يريد به: القلوب، أي: أخذ النبيل بحظِّه، والبليد بحظِّه». ثم انتقده مستندًا إلى ضعف إسناد الأثر، وإلى مخالفة لغة العرب قائلًا: «وهذا قول لا يصح -والله أعلم- عن ابن عباس؛ لأنه ينحو إلى أقوال أصحاب الرموز، وقد تمسَّك به الغزاليُّ وأهل ذلك الطريق، ولا وجه لإخراج اللفظ عن مفهوم كلام العرب لغير عِلَّةٍ تدعو إلى ذلك». إلا أنه وجَّهه على فرض صحته بقوله: «وإن صَحَّ هذا القول عن ابن عباس فإنما قصد أنّ قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ معناه: الحق الذي يتقرر في القلوب، والباطل الذي يعتريها».
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿فسألتْ أودية بقدرها﴾، قال: الصغيرُ قَدْرَ صِغَرِه، والكبيرُ قَدْرَ كِبرَه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٥٠٣. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٥/١٩٦) في معنى الآية احتمالًا آخر، فقال: «يحتمل أن يريد: بما قُدّر لها من الماء».
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في الآية، قال: هذا مَثَلٌ ضربه اللهُ بين الحقِّ والباطل، يقول: احتمل السيلُ ما في الوادي مِن عودٍ ودِمْنَةٍ١، ‹ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ›٢، فهو الذهبُ والفِضَّةُ والحِلْيَةُ، والمتاعُ: النُّحاسُ والحديدُ، وللنُّحاس والحديد خَبَثٌ، فجعل الله مَثَل خَبَثِه كمَثَل زَبَد الماء، فأمّا ما ينفع الناسُ فالذَّهبُ والفِضَّةُ، وأَمّا ما ينفع الأرضَ فما شَرِبَتْ مِن الماء فأَنبَتَتْ، فجعل ذلك مَثَلَ العمل الصالح الذي يَبْقى لأهله، والعمل السَّيِّئ يَضْمَحِلُّ عن أهله كما يذهبُ هذا الزَّبَد، فذلك الهُدى والحقُّ جاء مِن عند الله، فمَن عَمِل بالحقِّ كان له، وبَقِي كما يبقى ما ينفع الناسَ في الأرضِ، وكذلك الحديدُ لا يُسْتَطاعُ أن يُعْمَل منه سِكِّينٌ ولا سَيْفٌ حتى يُدْخل النار، فتأكل خبثه، فيخرُج جَيِّده فينتفع به، كذلك يَضْمَحِلُّ الباطل إذا كان يوم القيامة، وأُقيم الناسُ، وعُرِضَت الأعمالُ، فيرفعُ الباطلُ ويهلكُ، وينتفع أهلُ الحقِّ بالحقِّ٣
التخريج
  1. ١الدِّمْنة: آثار الناس وما سَوَّدوا، وقيل: ما سَوَّدوا من آثار البعر وغيره... والدِّمْن: البعر. لسان العرب (دمن).
  2. ٢قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم: ‹تُوقِدُونَ› بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي وخلف، وحفص عن عاصم: ﴿يوقدون﴾ بالياء. انظر: النشر ٢‏/‏٢٢٣.
  3. ٣أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٤٩٨-٤٩٩. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق عبد الله بن كثير- في قوله: ﴿أنزل من السَّماءً ماء فسالتْ أوديةٌ بقدرها﴾ قال: بمِلْئِها ما أطاقَتْ، ﴿فاحتملَ السيلُ زبدًا رابيًا﴾ قال: انقَضى الكلامُ، ثُمَّ اسْتَقْبل فقال: ﴿وممّا يوقدون عليه في النّار ابتغاءَ حليةٍ أو متاعٍ زبدٌ مثله﴾ قال: فالمتاع: الحديد، والنُّحاسُ، والرَّصاصُ، وأشباهُه، ﴿زبدٌ مثلُهُ﴾ قال: خَبَثُ ذلك الحديد والحلية مثل زَبَد السَّيْل، ﴿وأمّا ما ينفعُ النّاس﴾ مِن الماء ﴿فيمكُثُ في الأرض﴾، وأمّا الزبد ﴿فيذهبُ جُفاءً﴾ قال: جُمودًا في الأرض، قال: فذلك مَثَلُ الحقِّ والباطلِ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٥٠٠-٥٠١. وعزاه السيوطي إلى أبي عُبَيد، وابن أبي شَيْبَة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. وعلَّق بعضه البخاريُّ ٤‏/‏١٧٣٣.
٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق شبل وورقاء عن ابن أبي نجيح، يزيد أحدهما على صاحبه- في قوله: ﴿فسالت أودية بقدرها﴾ قال: بملئها، ﴿فاحتمل السيل زبدا رابيا﴾ قال: الزبد: السيل، ﴿ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله﴾ قال: خَبَث الحديد والحلية، ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء﴾ قال: جمودًا في الأرض، ﴿وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ قال: الماء، وهما مثَلان للحق والباطل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٥١٣.
٧
عن الحسن البصري -من طريق أبي رجاء- في قوله: ﴿أنزلَ من السَّماء ماءً﴾ الآية، قال: ابتغاءَ حِلْيَةِ الذهب والفضة، أو متاع الصُّفر والحديد. قال: كما أُوقِد على الذهب والفضة والصُّفر والحديد فخلص خالصُه، كذلك بقي الحقُّ لأهله فانتفعوا به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٤٩٩. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
٨
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق طلحة بن عمرو- قال: ضرب اللهُ مَثَلَ الحقِّ والباطل، فضرب مَثَل الحقِّ السَّيْلَ الذي يمكُثُ في الأرض فينفعُ الناسَ، ومثلَ الباطل مَثَل الزَّبَد الذي لا ينفعُ الناسَ، ومَثَل الحقِّ مثل الحُلِيِّ الذي يُجعَلُ في النار، فما خَلَصَ منه انتفع به أهلُه، وما خبُث منه فهو مَثَل الباطل، عُلِم ألّا ينفع الزَّبد وخَبَثُ الحُلِيِّ أهلَه، فكذلك الباطلُ لا ينفعُ أهلَه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٥٠٣ مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٩
عن عطاءٍ، في قوله: ﴿أنزَلَ من السماءِ ماءً﴾ قال: هذا مثلٌ ضَرَبَهُ اللهُ للمؤمنِ والكافرِ، ﴿فسالتْ أوديةٌ بقدرها﴾ قال: جَرى الوادي، وامتلأ بقدْر ما يحملُ، ﴿فاحتمَلَ السيْلُ زبدًا رابيًا﴾ قال: زَبدَ الماءِ، ﴿وممّا توقدونَ عليه في النارِ﴾ قال: زبدُ ما تُوقدون عليه مِن ذلك حليةٌ، وما سقط فهو مَثَلُ زَبَد الماء، وهو مَثَلٌ ضُرِب للحقِّ والباطل، فأمّا خَبَثُ الحديدِ والذهبِ وزَبَدُ الماءِ فهو الباطلُ، وما يصفو مِن الحلية والماء والحديد فمَثَلُ الحقِّ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
١٠
عن قتادة بن دعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿فسالتْ أوديةٌ بقدرها﴾ قال: الكبيرُ بقَدَرِه، والصغيرُ بقَدَره، ﴿زبدًا رابيًا﴾ قال: رَبا فوق الماء الزَّبَدُ، ﴿وممّا يوقدون عليه في النار﴾ قال: هو الذَّهبُ، إذا أُدْخِل النارَ بَقِيَ صَفْوُه، وذَهَب ما كان فيه مِن كَدَرٍ، وهذا مَثَلٌ ضربه الله للحقِّ والباطل، ﴿فأمّا الزبدُ فيذهبُ جفاءً﴾ يتعلق بالشَّجَرِ، ولا يكونُ شيئًا، هذا مَثَل الباطل، ﴿وأمّا ما ينفعُ النّاسَ فيمكُثُ في الأرض﴾ هذا يُخرج النبات، وهو مَثَلُ الحقِّ، ﴿أو متاعٍ زبدٌ مثلُهُ﴾ قال: المتاعُ: الصُّفْرُ، والحديدُ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٣٣٤-٣٣٥، وابن جرير ١٣‏/‏٥٠٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها﴾ الصغير بصِغَرِه، والكبير بكبره، ﴿فاحتمل السيل زبدا رابيا﴾ أي: عاليًا، ﴿ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله، كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء﴾ والجفاء: ما يتعلق بالشَّجَر، ﴿وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾. هذه ثلاثة أمْثال ضَرَبها اللهُ في مَثَل واحد. يقول: كما اضْمَحَلَّ هذا الزبدُ فصار جُفاءً لا يُنتَفَعُ به، ولا تُرْجى بَرَكَتُه؛ كذلك يَضْمَحِلُّ الباطلُ عن أهله كما اضْمَحَلَّ هذا الزَّبَد، وكما مكث هذا الماءُ في الأرض، فأَمْرَعَتْ١ هذه الأرض، وأخْرَجَتْ نباتَها، كذلك يبقى الحقُّ لأهله كما بَقِي هذا الماءُ في الأرض، فأخرج الله به ما أخرج من النبات. قوله: ﴿ومما يوقدون عليه في النار﴾ الآية: كما يبقى خالِصُ الذَّهَب والفضة حين أُدْخِل النار، وذَهَبَ خَبَثُه؛ كذلك يبقى الحقُّ لأهله. قوله: ﴿أو متاع زبد مثله﴾ يقول: هذا الحديد والصفر الذي ينتفع به، فيه منافع، يقول: كما يبقى خالِص هذا الحديد وهذا الصفر حين أدخل النار وذهب خبثه كذلك يبقى الحقُّ لأهله كما بَقِي خالِصُهما٢
التخريج
  1. ١أي: أخصبت. القاموس (مرع).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٥٠١. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
١٢
عن عوف [بن أبى جميلة الأعرابي] -من طريق هَوْذة بن خليفة- قال: بلغني في قوله: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها﴾: إنما هو مَثَلٌ ضربه الله للحق والباطل، ﴿فسالت أودية بقدرها﴾ الصغير على قَدَره، والكبير على قَدَره، وما بينهما على قَدَره، ﴿فاحتمل السيل زبدا رابيا﴾ يقول: عظيمًا، وحيثُ اسْتَقَرَّ الماءُ يذهب الزبدُ جُفاءً، فتطير به الريح، فلا يكون شيئًا، ويبقى صريح الماء الذي ينفع الناس؛ منه شرابُهم ونباتُهم ومنفعتُهم، ﴿أو متاع زبد مثله﴾ ومِثْلُ الزَّبَد: كُلُّ شيء يُوقَد عليه في النار؛ الذهب، والفضة، والنحاس، والحديد، فيذهب خَبَثُه، ويبقى ما ينفع في أيديهم، والخَبَث والزَّبَد مثل الباطل، والذي ينفع الناس مِمّا تحصل في أيديهم مِمّا ينفعهم المال الذي في أيديهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٥٠٢.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ ضرب اللهُ تعالى مَثَل الكفر والإيمان، ومَثَل الحقِّ والباطل، فقال: ﴿أنزل من السماء ماءً فسالت أوديةُ بقدرها﴾ وهذا مَثَل القرآن الذي علِمَه المؤمنون، وتَرَكَه الكفارُ، فسال الوادي الكبير على قدر كِبَرِه، منهم مَن حمل منهم كبيرًا، والوادي الصغير على قَدْرِه، ﴿فاحتمل السيل﴾ يعني: سيل الماء ﴿زبدًا رابيًا﴾ يعني: عاليًا، ﴿ومما يوقدون عليه في النار﴾ أيضًا ﴿ابتغآء حليةٍ﴾ يعني: الذهب، والفضة. ثم قال: ﴿أو متاع﴾ يعني: المشبه، والصفر، والحديد، والرصاص، له أيضًا ﴿زبدُ مثله﴾ فالسيل [له] زَبَدٌ لا يُنتَفَع به، والحُلِيُّ والمتاع له أيضًا زَبَد إذا أُدْخِل النار أخْرَجَ خَبَثَه، ولا يُنتَفَعُ به، والذهب والفضة والمتاع يُنتَفَعُ به، ومَثَل الماء مَثَل القرآن، وهو الحق، ومَثَل الأودية مَثَل القلوب، ومَثَل السَّيل مَثَل الأهواء، فمَثَلُ الماء والحُلِيّ والمتاع الذي يُنتَفَع به مَثَلُ الحق الذي في القرآن، ومَثَل زَبَد الماء وحيثُ المتاعُ الذي لا يُنتَفَعُ به مَثَلُ الباطل، فكما يُنتَفَع بالماء وما خلص مِن الحُلِيِّ، والمتاع الذي ينتفع به أهلُه في الدنيا فكذلك الحقُّ ينتفع به أهلُه في الآخرة، وكما لا ينتفع بالزَّبَد وخَبَث الحُلِيِّ والمتاع أهلُه في الدنيا فكذلك الباطلُ لا ينتفع أهلُه في الآخرة، ﴿كذلك يضرب الله الحق والبطل فأما الزبد فيذهب جفاءً﴾ يعني: يابِسًا لا ينتفع به الناس كما لا ينتفع بالسيل، ﴿وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ فيَسْتَقُون، ويَزْرَعُون عليه، وينتفعون به، يقول: ﴿كذلك يضرب الله الأمثال﴾ يعني: الأشباه، فهذه الثلاثة الأمثال ضَرَبَها اللهُ في مَثَل واحد١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٣٧٣-٣٧٤.
١٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال في قوله: ﴿ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله﴾، قال: هذا مَثَلٌ ضَرَبَه الله للحقِّ والباطل، فقرأ: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا﴾ هذا الزَّبَد لا ينفع، ﴿أو متاع زبد مثله﴾ هذا لا ينفع أيضًا. قال: وبَقِي الماءُ في الأرضِ، فنَفَع الناسَ، وبَقِي الحُلِيُّ الذي صلح مِن هذا، فانتفع الناسُ به، ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾. وقال: هذا مَثَلٌ ضربه الله للحقِّ والباطل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٣‏/‏٥٠٢.
١٥
عن سفيان بن عُيَيْنَة، في قوله: ﴿أنزل من السَّماء ماءً فسالتْ أوديةٌ بقدرها﴾، قال: أنزل مِن السماء قرآنًا، فاحتمله عقولُ الرِّجال١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
التفسير بالمأثور لسورة الرعد كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٧ من سورة الرعد

٣٦ وقفةً في هذه الآية

  • (وأما ما ينفع الناس فيمكث في اﻷرض) كونوا كالماء : لا ينفع الناس إﻻ (ما أقام ومكث).

    — عقيل الشمري

  • حصر برك لمن تحب بشعور لا تبديه له إلا في يوم واحد من 360 يوما من السنة لن يقنعه أنك بار(فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في اﻷرض).

    — سعود الشريم

  • في أخصر مثل في القرآن شبه الحق بالسيل،وشبه الباطل بالزبد(كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في اﻷرض).

    — سعود الشريم

  • العمل الصالح يبقى ما دام نفعه للناس باقيا { وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}.

    — محمد الربيعة

  • "فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا" بقدر اتساع واديك بقدر ما يغشاه من الرغوة والغثاء.

    — عبدالله بلقاسم

  • "فأما الزبد فيذهب جفاء" لن تقوى كل المطابع على إبقاء الزبد ولو طبعت ملايين النسخ منه.

    — عبدالله بلقاسم

  • وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" العلم الذي يبقى طويلا هو ما ينفع الناس. لا تغرنك الغرائب والعجائب.

    — عبدالله بلقاسم

  • اصنع شيئاً في حياتك ينفع الناس بعد موتك .. { وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}..

    — نايف الفيصل

  • "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" لماذا تـهدِر السنينَ وتُثقلُ الكاهلَ بحمل الزبد الذاهب جفاءً؟

    — رقية المحارب

  • ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ راجعت كلمة جفاء فوجدتها تشتمل على معاني الرمي والتفرق والاعتزال والإهمال والإبعاد!

    — رقية المحارب

  • كل باطل يندثر بانخفاض صوت صاحبه؛ لأن قيام الباطل بالأصوات، أما الحق فثابت في قلوب أصحابه" فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .

    — نوال العيد

  • ‏"فأما الزبد فيذهب جفاء" حتى ولو كانت الجماهير معه. سيبقى الزبد زبدا.

    — عبدالله بلقاسم

و٢٤ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ١٧ من سورة الرعد

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(17) He sends down from the sky, rain, and valleys flow according to their capacity, and the torrent carries a rising foam. And from that [ore] which they heat in the fire, desiring adornments and utensils, is a foam like it. Thus Allāh presents [the example of] truth and falsehood. As for the foam, it vanishes, [being] cast off; but as for that which benefits the people, it remains on the earth. Thus does Allāh present examples.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال