الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَوْدِيَةٌ﴾ : هو جمعُ وادٍ، وجمعُ فاعِل على أَفْعِلَة، قال أبو البقاء :" شاذٌّ، ولم نَسْمَعْه في غيرِ هذا الحرف، ووجهُه : أنَّ فاعِلاً قد جاء بمعنى فَعِيل، وكما جاء فَعِيل وأفْعِلَة كجَرِيْب وأَجْرِبَة، وكذلك فاعِل "، قلت : قد سُمع فاعِل وأفْعِلة في حرفين آخرين، أحدُهما : قولهم : جائز وأجْوِزَة، والثاني : ناحِية وأَنْحِية.
قوله :" بقَدَرها " فيه وجهان، أحدُهما " أنه متعلِّقٌ ب " سالَتْ "، والثاني : أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ ل " أَوْدية ". وقرأ العامَّةُ بفتح الدال، وزيد بن علي والأشهب العقيلي وأبو عمرو في روايةٍ بسكونها، وقد تقدَّم ذلك في سورة البقرة.
و " احتمل " بمعنى حَمَل فافْتَعَلَ بمعنى المجرد، وإنما نكَّر الأودية وعَرَّف السيلَ ؛ لأنَّ المطر يَنْزِل في البِقاع على المناوبة، فتسيلُ بعضُ أوديةِ الأرضِ دونَ بعضٍ، وتعريفُ السيل لأنه قد فُهِم من الفعل قبله وهو " فسالَتْ " وهو لو ذُكِرَ لكان نكرةً، فلمَّا اُعيد اُعِيدَ بلفظِ التعريفِ نحو :" رايت رجلاً فأكرمت الرجلَ " [ والزَّبَد : وَضَرُ الغَلَيان وخَبَثُه ] قال النابغة :
فما الفُراتُ إذا هَبَّ الرياحُ لهتَرْمي غوارِبُه العِبْرَيْنِ بالزَّبَدِ
وقيل : هو ما يَحْتمله السَّيلُ مِنْ غُثاءٍ ونحوه، وما يرمي به [ على ] ضفَّته من الحَباب. وقيل : هو ما يَطْرحُه الوادي إذا جاش ماؤه، وارتفعت أمواجُه. وهي عباراتٌ متقاربة. والزُّبَد : المستخرجُ من اللبن. قيل : مشتقٌّ مِنْ هذا لمشابَهَتِه إياه في اللون، ويقال : زَبَدْتُه زَبْداً، أي : أعطيته مالاً، يُضرب به المثلُ في الكثرةِ، وفي الحديث :" غُفِرَتْ له ذنوبُه وإن كانت مِثْلَ زَبَد البحر ".
قوله :﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ﴾ هذا الجارُّ [ خبر مقدَّمٌ، ومبتدَؤه " زَبَدٌ " ]. و " مثلُه " صفةُ المبتدأ، والتقدير : ومن الجواهرِ التي هي كالنحاس والذهب والفضة زَبَدٌ، أي : خَبَثٌ مثلُه، أي : مثلُ زَبَدِ الماء، ووجهُ المماثلةِ : أنَّ كلاًّ منهما ناشئٌ مِن الأَكْدار.
وقَرَأَ الأخَوانِ وحفصٌ " يُوقِدُوْن " بالياء من تحت، أي : الناسُ، والباقون بالتاء مِنْ فوقُ على الخطاب.
و " عليه " متعلقٌ ب " يُوْقِدون ". وأمَّا " في النار " ففيه وجهان، أحدُهما : أنه متعلقٌ ب يوقِدون، وهو قول الفارسيِّ والحوفيِّ وأبي البقاء. الثاني : أنه متعلقٌ بمحذوف، أي : كائناً أو ثابتاً، قاله مكي وغيره. ومنعوا تعلُّقه ب " يُوقِدُون " لأنهم زعموا أنه لا يُوْقَد على شيء إلا وهو في النار، وتعليقُ حرفِ الجر ب " يُوْقِدون " يقتضي تخصيصَ حالٍ من حالٍ أخرى. وهذا غيرُ لازمٍ. قال أبو علي :" قد يُوْقَد على الشيء وإن لم يكنْ في النارِ، كقولِه تعالى :﴿فَأَوْقِدْ لِي يهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨] والطِّين لم يكن فيها، وإنما يُصيبُه لَهَبُها، وأيضاً فقد يكونُ ذلك على سبيلِ التوكيدِ كقوله تعالى :﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].
قوله :" ابتغاءَ " فيه وجهان، أظهرُهما : أنه مفعولٌ مِنْ اجله. والثاني : أنه مصدرٌ في موضع الحال، أي : مُبْتَغِين حِلْية، و " حِلْيةٍ " مفعولٌ معنىً. " أو متاعٍ " نَسَقٌ على " حِلْيةٍ "، فالحلْيَةُ ما يُتَزَيَّن به، والمَتَاع : مَا يَقْضُون به حوائِجَهم كالمَساحي من الحديد ونحوِها. و " مِنْ " في قوله :﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ﴾ تحتمل وجهين، أحدُهما : أن تكونَ لابتداءِ الغاية، أي : ومنه ينشأ زَبَدٌ مثلُ زَبَدِ الماء. والثاني : أنها للتبعيضَ، بمعنى : وبَعْضُه زَبَدٌ.
قوله :" جُفاءً " حال. والجُفَاءُ : قال ابن الأنباري :" المتفرِّقُ ". يقال : جَفَأَتِ الريحُ السحابَ، أي : قَطَعَتْه وفَرَّقته. وقيل : الجُفاء : ما يَرْمِي به السَّيْلُ. يُقال : جَفَأَتِ القِدْرُ بزَبَدِها تَجْفَأُ، وجَفَأَ السَّيْلُ بزَبَدِه وأَجْفَأَ وأَجْفَلَ، وباللامِ قرأ رُؤبة بن العجاج. قال أبو حاتم :" لا يُقرأ بقراءةِ رؤبة، لأنه كان يأكلُ الفارَ " يعني أنه أعرابيٌّ جافٍ. قلت : قد تقدَّم ثناءُ الزمخشري عيله أولَ البقرة، وذِكْرُ فصاحتِه. وقد وجَّهوا قراءَتَه بأنها مِنْ أَجْفَلَتِ الريحُ الغنمَ، أي : فَرَّقَتْه قِطَعاً فهي في المعنى كقراءةِ العامَّة بالهمزة.
وفي همزة " جُفاء " وجهان، أظهرهُما : أنها أصلٌ لثبوتِها في تصاريف هذه المادةِ كما رأيتَ. والثاني : بدلٌ من واو، وكأنه مختارُ أبي البقاء وفيه نظرٌ ؛ لأنَّ مادة جفا يَجْفو لا يليق معناها هنا، والأصلُ عدمُ الاشتراكِ.
قوله :" كذلك يَضْرِب " / الكافُ في محلِّ نصبٍ، أي : مثلَ ذلك الضَّرْبِ يَضْرِب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى