التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله - سبحانه - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ تفصيل للمنزلة العالية التي أعدها - سبحانه - لهم.
أى : أولئك الذين قدموا ما قدموا في دنياهم من العمل الصالح، لهم جنات دائمة باقية، يدخلونها هم ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ أى : ومن كان صالحا لدخولها ﴿مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾.
أى : من أصولهم وفروعهم وأزواجهم على سبيل التكريم والزيادة في فرحهم ومسيرتهم.
وفى قوله - سبحانه - ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ...﴾ دليل على أن هؤلاء الأقارب لا يستحقون دخول الجنة، إلا إذا كانت أعمالهم صالحة، إما إذا كانت غير ذلك فإن قرابتهم وحدها لا تنفعهم في هذا اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال الإِمام ابن كثير : وقوله ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أى : يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين، لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانا من الله وإحسانا، كما قال - تعالى - ﴿والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ وقوله - سبحانه - ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم...﴾ زيادة في تكريمهم، وحكاية لما تحييهم به الملائكة.
أى : والملائكة يدخلون على هؤلاء الأوفياء الصابرين.. من كل باب من أبواب منازلهم في الجنة، قائلين لهم :﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ أى : أمان دائم عليكم ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ أى : بسبب صبركم على كل ما يرضى الله - تعالى -.
﴿فَنِعْمَ عقبى الدار﴾ أى : فنعم العاقبة عاقية دنياكم، والمخصوص بالمدح محذوف لدلالة المقام عليه، أى : الجنة.
وفى قوله - سبحانه - ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ إشارة إلى كثرة قدوم الملائكة عليهم، وإلى كثرة أبواب بيوتهم، تكريما وتشريفا وتأنيسا لهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى