فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
لما ذكر الله سبحانه عاقبة المشركين بقوله :﴿وَلَهُمْ سُوء الدار﴾ كان لقائل أن يقول : قد نرى كثيراً منهم قد وفر الله له الرزق وبسط له فيه، فأجاب عن ذلك بقوله :﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ﴾ فقد يبسط الرزق لمن كان كافراً، ويقتره على من كان مؤمناً ابتلاءً وامتحاناً، ولا يدلّ البسط على الكرامة ولا القبض على الإهانة، ومعنى يقدر : يضيق، ومنه ﴿مِنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي : ضيق. وقيل : معنى يقدر يعطي بقدر الكفاية، ومعنى الآية : أنه الفاعل لذلك وحده القادر عليه دون غيره ﴿وَفَرِحُوا بالحياة الدنيا﴾ أي : مشركو مكة فرحوا بالدنيا وجهلوا ما عند الله، قيل : وفي هذه الآية تقديم وتأخير، والتقدير : الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وفرحوا بالحياة الدنيا، فيكون ﴿وفرحوا﴾ معطوفاً على يفسدون ﴿وَمَا الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ متاع﴾ أي : ما هي إلاّ شيء يستمتع به، وقيل : المتاع واحد الأمتعة كالقصعة والسكرجة ونحوهما، وقيل : المعنى : شيء قليل ذاهب، من متع النهار : إذا ارتفع فلا بدّ له من زوال، وقيل : زاد كزاد الراكب يتزوّد به منها إلى الآخرة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عبد الرحمن بن [ سابط ] في قوله :﴿وَمَا الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ متاع﴾ قال : كزاد الراعي يزوده أهله الكف من التمر أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : كان الرجل يخرج في الزمان الأول في إبله، أو غنمه، فيقول لأهله : متعوني فيمتعونه فلقة الخبز أو التمر، فهذا مثل ضربه الله للدنيا. وأخرج الترمذي وصححه عن عبد الله ابن مسعود قال :( نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا : يا رسول الله لو اتخذنا لك ؟ فقال ) ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلاّ كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها ) وأخرج مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن المستورد قال : قال رسول الله ﷺ :( ما الدنيا في الآخرة إلاّ كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بم يرجع ؟ وأشار بالسبابة ) وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله :﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله﴾ قال : هشت إليه واستأنست به، وأخرج أبو الشيخ عن السدّي في الآية قال : إذا حلف لهم بالله صدقوا. ﴿أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ قال : تسكن. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في الآية قال : بمحمد وأصحابه. وأخرج أبو الشيخ عن أنس قال :( قال رسول الله ﷺ لأصحابه حين نزلت هذه الآية ﴿ألا بذكر الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ هل تدرون ما معنى ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : من أحبّ الله ورسوله وأحبّ أصحابي ) وأخرج ابن مردويه عن عليّ :( أن رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية :﴿أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ قال : ذاك من أحبّ الله ورسوله، وأحبّ أهل بيتي صادقاً غير كاذب، وأحبّ المؤمنين شاهداً وغائباً، ألا بذكر الله يتحابون ). وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله :﴿طوبى لَهُمْ﴾ قال : فرح وقرّة عين. وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله :﴿طوبى لَهُمْ﴾ قال : نعم ما لهم.
وقد روي عن جماعة من السلف نحو ما قدّمنا ذكره من الأقوال، والأرجح تفسير الآية بما روي مرفوعاً إلى النبيّ ﷺ كما أخرجه أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي عن عتبة ابن عبد قال :( جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله في الجنة فاكهة ؟ قال : نعم فيها شجرة تدعى طوبى ) الحديث. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والخطيب في تاريخه عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ :( أن رجلاً قال : يا رسول الله، طوبى لمن رآك وآمن بك، قال :( طوبى لمن آمن بي ورآني، ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني )، فقال رجل : وما طوبى ؟ قال :( شجرة في الجنة مسير مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ) وفي الباب أحاديث وآثار عن السلف، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قال : قال رسول الله ﷺ :( في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، اقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلّ مَّمْدُودٍ﴾ ) [الواقعة: ٣٠] وفي بعض الألفاظ ( إنها شجرة الخلد ) وأخرج أبو الشيخ عن السديّ ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ قال : حسن منقلب. وأخرج ابن جرير عن الضحاك مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن﴾ قال : ذكر لنا أن رسول الله ﷺ زمن الحديبية حين صالح قريشاً كتب في الكتاب :( بسم الله الرحمن الرحيم، فقالت قريش : أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم، فقال أصحابه : دعنا نقاتلهم، فقال :( لا، ولكن اكتبوا كما يريدون ). وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في هذه الآية نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ قال : توبتي.
وقد روي عن جماعة من السلف نحو ما قدّمنا ذكره من الأقوال، والأرجح تفسير الآية بما روي مرفوعاً إلى النبيّ ﷺ كما أخرجه أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي عن عتبة ابن عبد قال :( جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله في الجنة فاكهة ؟ قال : نعم فيها شجرة تدعى طوبى ) الحديث. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والخطيب في تاريخه عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ :( أن رجلاً قال : يا رسول الله، طوبى لمن رآك وآمن بك، قال :( طوبى لمن آمن بي ورآني، ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني )، فقال رجل : وما طوبى ؟ قال :( شجرة في الجنة مسير مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ) وفي الباب أحاديث وآثار عن السلف، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قال : قال رسول الله ﷺ :( في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، اقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلّ مَّمْدُودٍ﴾ ) [الواقعة: ٣٠] وفي بعض الألفاظ ( إنها شجرة الخلد ) وأخرج أبو الشيخ عن السديّ ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ قال : حسن منقلب. وأخرج ابن جرير عن الضحاك مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن﴾ قال : ذكر لنا أن رسول الله ﷺ زمن الحديبية حين صالح قريشاً كتب في الكتاب :( بسم الله الرحمن الرحيم، فقالت قريش : أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم، فقال أصحابه : دعنا نقاتلهم، فقال :( لا، ولكن اكتبوا كما يريدون ). وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في هذه الآية نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ قال : توبتي.