تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ) روي أن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ : سل ربك أن يسير هذه الجبال التي بمكة فتتسع أرضنا ونتخذ فيها المزارع، وسل ربك أن يقرب إلينا الشام، فإن إليه متاجرنا وقد أبعد عنا، وقالوا أيضا : سل ربك أن يخرج لنا الأنهار ويشق العيون في الأرض لنغرس الأشجار، ونتخذ البساتين، وسل ربك أن يبعث لنا جماعة من الموتى فنسألهم عن أمرك، وأحى لنا قصيا ؛ فإنه كان شيخا مباركا حتى نسأله عن أمرك. وفي بعض الروايات أنهم قالوا : سل ربك بالقرآن الذي أنزل عليك أن يفعل هذا فأنزل الله تعالى هذه الآية :( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ) معناه : ولو قضيت أن أسير الجبال بكتاب أو أقطع الأرض به أو أحيي به الموتى لفعلت بهذا القرآن.
فإن قيل : هذا الجواب الذي تقولون غير مذكور في القرآن، وهذا زيادة ؟
الجواب عنه، أن الجواب محذوف، والعرب تفعل مثل هذا، قال الشاعر :
فلو أنها نفس تموت سويةولكنها نفس تساقط أنفسا
ومعناه : ولو أنها نفس واحدة لتسليت بها، ولكنها أنفس كثيرة. وذكر الفراء أن الجواب هو :( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ) لم يؤمنوا ؛ لما سبق في علمنا من تركهم الإيمان.
معناه : أنا لو فعلنا بالقرآن الذي أنزل إليك ما سألوا، لم يؤمنوا أيضا. وقوله :( بل لله الأمر جميعا ) معناه : بل لله الأمر جميعا في هذه الأشياء ؛ إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها.
وقوله :( أفلم ييئس الذين آمنوا ) أكثر أهل المعاني على أن معناه : أفلم يعلم الذين آمنوا، وفي قراءة ابن عباس هكذا :" أفلم يتبين للذين آمنوا " وقد ورد هذا اللفظ بمعنى العلم في لغة العرب، قال الشاعر :
أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ألم تيئسوا أني ابن فارس زهدم
وقال آخر :
ألم ييئس الأبطال أني أنا ابنهوإن كنت عن أرض العشيرة نائيا
وأنكر الكسائي أن يكون هذا بمعنى العلم، وقال : إن العرب لا تعرف اليأس بمعنى العلم، قال : وإنما معنى الآية : أن أصحاب رسول الله ﷺ لما سمعوا هذا من المشركين طمعوا في أن يفعل الله ما سألوا ويؤمنوا ؛ فأنزل الله هذه الآية :( أفلم ييئس الذين آمنوا ) يعني : من الصحابة من إيمان هؤلاء القوم، وكل من علم شيئا فقد يئس عن خلافه وضده، وبعضهم قال معناه : أفلم يعلم الذين آمنوا من حال هؤلاء الكفار علما يوجب يأسهم عن إيمانهم، وقوله :( أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ) ظاهر المعنى.
وقوله :( ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ) أي نازلة وبلية، وقيل : إن القارعة هاهنا : سرايا رسول الله ﷺ ( أو تحل قريبا من دارهم ) يعني : أو تحل السرية قريبا من دارهم، وقيل : أو تنزل أنت قريبا من دارهم.
( حتى يأتي وعد الله ) فيه قولان : أحدهما : أنه يوم القيامة، والقول الثاني : أنه يوم بدر.
وقوله :( إن الله لا يخلف الميعاد ) ظاهر المعنى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى