تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ) يشبه أن تكون الآية صلة قوله :( وهم يكفرن بالرحمن )[ الآية : ٣٠ ] فأخبر عز وجل ( وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ) بذكر الرحمن.
ثم اختلف في قوله :( والذين آتيناهم الكتاب ) قال بعضهم : أصحاب محمد فرحوا بما أنزل إلى رسول الله.
وقال بعضهم :( والذين آتيناهم الكتاب ) أهل التوراة ( يفرحون بما أنزل إليك ) يذكر ههنا أنهم يفرحون بما أنزل إليك، ويذكر في موضع آخر :
( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير )[البقرة: ١٠٥].
وقال بعضهم في موضع آخر :( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به )[البقرة: ١٢١] فمن تلا منهم الكتاب حق تلاوته، ولم يبدله، ولم يغيره، فهو يؤمن به، ويفرح بما أنزل على محمد، ومن غيره، ويدله، فهو لم يفرح بما أنزل عليه.
وقوله تعالى :( والذين آتيناهم الكتاب ) تأويله، والله أعلم : والذين آتينا منافع الكتاب أولئك ( يفرحون بما أنزل إليك ) وهو ما قال في آية أخرى :( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته )[البقرة: ١٢١] لأن أكثرهم يفرحون بما أنزل على محمد.
وقوله تعالى :( وَمِنْ الأَحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ ) يحتمل أهل الكتاب ؛ كانوا ينكرون بعض ما أنزل إليه، لا ينكرون كل ما أنزل إليه، وإنما كانوا ينكرون بعثه[ في الأصل وم : نعته ] وصفته التي في كتبهم.
ويحتمل قوله ( وَمِنْ الأَحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ ) مشركي العرب، وهم أيضا أنكروا بعض ما أنزل إليه، وهو ما ذكر ( وهم يكفرون بالرحمن )[ الآية : ٣٠ ] وقوله :( أجعل الآلهة إلها واحدا )[ص: ٥] ونحوه، لم ينكروا كله.
وقوله تعالى :( قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو ) كان هذا [ الذي ][ ساقطة من الأصل وم ] قال على إثر قول كان منهم ؛ كأنهم دعوه إلى أن يشاركهم في عبادة الأصنام، أو دعوه أن يكون على ما كان آباؤهم، فقال :( وإليه مآب ).
ويحتمل قوله :( ولا أشرك به ) [ أنه قال ذلك في ][ في الأصل وم : قال ذلك من ] نفسه ( إليه أدعوا ) يقول : إلى توحيد الله أدعو غيري، ثم أخالف، وأعبد غيره ( وإليه مآب ) أي إليه المرجع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى