المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
والضمير في قوله :﴿يروا﴾ عائد على كفار قريش وهم المتقدم ضميرهم في قوله :﴿نعدهم﴾.
وقوله :﴿نأتي﴾ معناه بالقدرة والأمر، كما قال الله تعالى :﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾(١) [النحل: ٢٦] و ﴿الأرض﴾ يريد به اسم الجنس، وقيل : يريد أرض الكفار المذكورين.
قال القاضي أبو محمد : وهذا بحسب الاختلاف في قوله :﴿ننقصها من أطرافها﴾.
وقرأ الجمهور :«نَنقصها » وقرأ الضحاك «نُنقصها »(٢).
وقوله :﴿من أطرافها﴾ من قال : إنها أرض الكفار المذكورين - قال : معناه، ألم يروا أنا نأتي أرض هؤلاء بالفتح عليك فننقصها بما يدخل في دينك في القبائل، والبلاد المجاورة لهم، فما يؤمنهم أن نمكنك منهم أيضاً، كما فعلنا بمجاوريهم - قاله ابن عباس والضحاك.
قال القاضي أبو محمد : وهذا بحسب الاختلاف في قوله :﴿ننقصها من أطرافها﴾ القول لا يتأتى إلا بأن نقدر نزول هذه الآية بالمدينة، ومن قال : إن ﴿الأرض﴾ اسم جنس جعل الانتقاص من الأطراف بتخريب العمران الذي يحله الله بالكفرة - هذا قول ابن عباس أيضاً ومجاهد.
وقالت فرقة : الانتقاص هو بموت البشر وهلاك الثمرات ونقص البركة، قاله ابن عباس أيضاً والشعبي وعكرمة وقتادة. وقالت فرقة : الانتقاص هو بموت العلماء والأخيار - قال ذلك ابن عباس أيضاً ومجاهد - وكل ما ذكر يدخل في لفظ الآية.
و «الطرف » من كل شيء خياره، ومنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه : العلوم أودية في أي واد أخذت منها حسرت فخذوا من كل شيء طرفاً. يعني خياراً.
وجملة معنى هذه الآية : الموعظة وضرب المثل، أي ألم يروا فيقع منهم اتعاظ.
وأليق ما يقصد لفظ الآية هو تنقص الأرض بالفتوح على محمد.
وقوله :﴿لا معقب﴾ أي لا راد ولا مناقض يتعقب أحكامه، أي ينظر في أعقابها أمصيبة هي أم لا ؟(٣) وسرعة حساب الله واجبة لأنها بالإحاطة ليست بعدد.
١ من الآية (٢٦) من سورة (النحل)..
٢ بتشديد القاف، من نَّقص المتعدي بالتضعيف..
٣ المعقب هو الذي يكر على الشيء فيبطله، وحقيقته الذي يعقبه بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق: معقب لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء والطلب، قال لبيد:
حتى تهجر في الرواح و هاجه طلب المعقب حقه المظلوم
أي: طلب المظلوم المعقب حقه، و "المعقب" في محل رفع لأنها فاعل المصدر "طلب"، و "المظلوم" مرفوع عطفا على موضع "المعقب"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى