التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم زاد - سبحانه - في تسلية رسوله ﷺ وفى تثبيت فؤاده فقال :﴿وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً...﴾.
والمكر : صرف الغير عما يريده بحيلة، أو إيصال المكروه للممكور به خفية، والمراد بمكر الذين من قبلهم : إضمارهم السوء لرسلهم.
والمراد بمكر الله - تعالى - هنا : علمه - سبحانه - بما بيتوه، وِإحباطه لمكرهم، وإنجاؤه لرسله - عليهم الصلاة والسلام -.
أى : وقد مكر الكفار الذين سبقوا قومك - يا محمد - برسلهم وحاولوا إيقاع المكروه بهم، ولكن ربك - سبحانه - نصر رسله لأنه - عز وجل - له المكر جميعا، ولا اعتداد بمكر غيره لأنه معلوم له.
وقال الجمل ما ملخصه : " وقوله ﴿فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً﴾ تعليل المحذوف تقديره فلا عبرة بمكرهم، ولا تأثير له، فحذف هذا اكتفاء بدلالة القصر المستفاد من تعليله بقوله ﴿فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً﴾ أى : لا تأثير لمكرهم أصلا لأنه معلوم لله - تعالى - وتحت قدرته..
وجملة " يعلم ما تكسب كل نفس " بمنزلة التعليل لجملة ﴿فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً﴾.
أى : هو - سبحانه - له المكر جميعا، لأنه لا تخفى عليه خافية من أحوال كل نفس، وسيجازيها بما تستحقه من خير أو شر.
وقوله :﴿وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدار﴾ تهديد للكافرين بالحق الذي جاءهم به رسول الله ﷺ.
أى : وسيعلم الكافرون عندما ينزل بهم العذاب، لمن تكون العاقبة الحميدة أهى لهم - كما يزعمون - أم للمؤمنين ؟ لا شك أنها للمؤمنين.
فالجملة الكريمة تحذير للكافرين من التمادى في كفرهم، وتبشير للمؤمنين بأن العاقبة لهم.
وفى قراءة سبعية " وسيعلم الكافر ". فيكون المراد به جنس الكافر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى