بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي
عن الكتاب
وقد ذكر الله تعالى من أول السورة نعماءه، ثم خاطب الإنس والجن فقال :﴿فَبِأَيّ آلاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ﴾ وإن لم يسبق ذكرهما، لأن في الكلام دليلاً، وقد ذكرهما من بعده، وهو قوله :﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس﴾ وقال :﴿فَبِأَيّ آلاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ﴾ يعني : فبأي نعمة من نعماء ربكما أيها الجن والإنس ﴿تُكَذّبَانِ﴾ يعني : تتجاحدان بأنها ليست من الله تعالى. قال بعضهم :﴿الله لَعَلَّكُمْ﴾ ونعماء الله واحد. إلا أن الآلاء أعم، والنعماء أخص. ويقال : الآلاء النعمة الظاهرة وهو التوحيد، والنعماء : النعمة الباطنة وهو المعرفة بالقلب، كقوله :﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا في السماوات وَمَا في الأرض وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً وَمِنَ الناس مَن يجادل في الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠] وقال بعضهم : الآلاء إيصال النعم، والنعماء رفع البلايا. مثاله أن رجلاً لو كانت له يد شلاء فله الآلاء وليست النعماء. وكذلك لسان الأخرس، ورجل مقعد، فله الآلاء، وليست له النعماء. وأكثر المفسرين لم يفصلوا بينهما، وقد ذكر في هذه السورة دفع البلية، وإيصال النعمة. فكل ذلك سماه الآلاء. وروى محمد بن المنذر، عن جابر، بن عبد الله، أن النبي ﷺ قرأ على أصحابه سورة الرحمن، فسكت القوم، فقال النبي ﷺ :«الجنُّ كَانُوا أَحْسَنَ رَدّاً مِنْكُمْ، مَا قَرَأْتَ عَلَيْهِمْ ﴿والريحان فَبِأَيّ آلاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ﴾ إلاَّ قَالُوا : ولا بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا فَلَكَ الحَمْدُ ». وفي رواية أخرى : أنه قال :«مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ إلاَّ قَالُوا وَلا بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا فَلَكَ الْحَمْدُ ».