الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿الْجَوَارِ﴾ : العامَّة على كسرِ الراء لأنه منقوصٌ على مَفاعِل، والياءُ محذوفةٌ لفظاً لالتقاءِ الساكنين. وقرأ عبد الله والحسن وتُروَى عن أبي عمروٍ " الجَوارُ " برفع الراء تناسياً للمحذوف ومنه :
لها ثنايا أربعٌ حِسانُوأربعٌ فثَغْرُها ثَمانُ
وهذا كما قالوا :" هذا شاكٌ " وقد تقدَّم تقريرُ هذا في الأعراف عند قولِه :﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].
قوله :﴿الْمُنشَئَاتُ﴾ قرأ حمزةُ وأبو بكر بخلافٍ عنه بكسرِ الشينِ بمعنى : أنها تُنْشِىءُ الموجَ بجَرْيِها، أو تُنْشِىء السيرَ إقبالاً وإدباراً، أو التي رَفَعَتْ شُرُعَها أي : قِلاعَها. والشِّراع : القِلْع. وعن مجاهد : كلما رَفَعتْ قِلْعَها فهي من المُنْشَآت، وإلاَّ فليسَتْ منها. ونسبةُ الرَّفْع إليها مجازٌ كما يقال : أنْشَأتِ السحابةُ المطرَ. والباقون بالفتح وهو اسمُ مفعول أي : أنشأها اللَّهُ أو الناسُ، أو رفعوا شُرُعَها. وقرأ ابن أبي عبلة " المُنَشَّآت " بتشديد الشين مبالغةً. والحسنُ " المُنْشات " بالإِفراد، وإبدالِ الهمزة ألفاً وتاءٍ مجذوبة خَطَّاً فأْفَردَ الصفةَ ثقةً بإفهام الموصوف الجمعيةَ، كقولِه
﴿أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] وأمَّا إبدالُه الهمزةَ ألفاً، وإن كان قياسُها بينَ بينَ فمبالَغَةٌ في التخفيف، كقوله :
إنَّ السِّباعَ لَتَهْدَا في مَرابِضِها ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي : لتهدَأ. وأمَّا كَتْبُها بالتاءِ المجذوبة فإتباعاً للفظها في الوصلِ. و " في البحر " متعلقٌ بالمُنْشِئات أو المنشَآت. ورسمُه بالياء بعد الشين في مصاحفِ العراقِ يُقَوِّي قراءةَ الكسرِ ورَسْمُه بدونِها يُقَوِّي قراءةَ الفتح، وحَذَفُوا الألفَ كا تُحْذَفُ في سائر جمع المؤنث السالم. و " كالأَعْلام " حالٌ : إمَّا من الضميرِ المستكنِّ في " المُنْشَآت "، وإمَّا مِنْ " الجوار " وكلاهما بمعنىً واحد. والأَعلام : الجبالُ جمعُ عَلَم. قال :
رُبَّما أَوْفَيْتُ في عَلَمتَرْفَعَنْ ثوبي شَمالاتُ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى