التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - نعمة أخرى من نعمه التى مقرها البحار فقال :﴿وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر كالأعلام فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
والجوار : أى السفن الجارية، فهى صفة لموصوف محذوف دل عليه متعلقه، وهو قوله - تعالى - ﴿فِي البحر﴾.
والمنشآت : جمع منشأة - اسم مفعول - أى : مرفوعة الشراع، وهو ما يسمى بالقلع، من أنشأ فلان الشىء، إذا رفعه عن الأرض، وأنشأ فى سيره إذا اسرع.
أى : وله - سبحانه - وحده لا لغيره، التصرف المطلق فى السفن المرفوعة القلاع والتى تجرى فى البحر، وهى تشبه : الجبال فى ضخامتها وعظمتها.
والتعبير : بقوله - تعالى - ﴿وَلَهُ﴾ للاشعرا بأن كونهم هم الذين صنعوها لا يخرجها عن ملكه - تعالى - وتصرفه، إذ هو الخالق الحقيقى لهم ولها، وهو الذى سخر تلك السفن لتشق ماء البحر بأمره.
ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هذه الآية فى دلالتها على قدرة الله - تعالى - وعلى مننه على عباده بهذه السفن التى تجرى فى البحر بأمره. قوله - تعالى - :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الجوار فِي البحر كالأعلام إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾
وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله - تعالى -، ونعمه على عباده.. جاء الحديث عن تفرده - تعالى - بالبقاء، بعد فناء جميع المخلوقات التى على ظهر الأرض، وعن افتقار الناس إليه وحده - سبحانه - وغناه عنهم فقال - تعالى - :﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ...﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى