اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾.
قرأ حماد بن(١) أبي سليمان :«بِسِيمائِهِمْ » بالمد.
قوله تعالى :﴿فَيُؤْخَذُ بالنّواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ » متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء ؛ لأنه ضمن معنى «يسحب ». قاله أبو حيان(٢).
و«يسحب » إنما يتعدى ب «على »، قال تعالى :﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] فكان ينبغي أن يقول : ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون ».
وقال مكّي :«إنما يقال : أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت : أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب : أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام. بمعنى.
وقد قيل : إن تقديره : فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب ؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما : بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين : أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو : أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل »، فيجوز أن تقول :«أخذت زيداً ثوباً بعمرو » أي : من أجله وبذنبه ». انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول :«أخذت الثوب بدرهم » فقد تعدّى بغير «من » أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب(٣) : فإن قيل : كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى :﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥] وقال :﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: ٢١] ؟.
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى :﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى :﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: ٢١]، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و«أل » في «النَّواصي والأقْدَام » ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير : بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية : مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في «هود »(٤) وفي حديث عائشة رضي الله عنها :«مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ » أي : لا تمدُّون ناصيته.
و«النَّصيّ » : مرعى طيب، فقولهم : فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم : هو رأسُ القَوْمِ انتهى.

فصل في سيما المجرمين


قال الحسن :﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين(٥) (٦) قال تعالى :﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: ١٠٢].
وقال تعالى :﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
فقوله :﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي : يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي : بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و«النَّواصي » : جمع ناصية.
وقال الضحاك : يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل : يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل : تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل : ما وجه إفراد «يُؤخَذ » مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون ؟.
فالجواب من وجهين(٧) : الأول : أن قوله :«يُؤخَذُ » متعلق «بالنواصي »، كقولك : ذهب يزيد.
والثاني : أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ »، فكأنه قال : يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
١ ينظر: البحر المحيط ٨/١٩٤، والدر المصون ٦/٢٤٥..
٢ ينظر: البحر المحيط ٨/١٩٤..
٣ ينظر الدر المصون ٦/٢٤٥..
٤ آية ٥٦..
٥ ينظر الرازي ٢٩/١٠٥..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٠) عن الحسن وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٠٠) عن الضحاك وعزاه إلى هناد وعبد بن حميد..
٧ ينظر: تفسير الرازي ٢٩/١٠٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى