زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾ وقرأ عثمان بن عفان، وعاصم الجحدري، وابن محيصن :﴿على رفارف﴾ جمع غير مصروف. وقرأ الضحاك، وأبو العالية، وأبو عمران الجوني مثلهم، إلا أنهم صرفوا ﴿رفارف﴾ قال ثعلب : إنما لم يقل : أخضر، لأن الرفرف جمع، واحدته : رفرفة، كقوله :﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مّنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَاراً﴾ [يس: ٨٠] ولم يقل : الخُضر، لأن الشجر جمع، تقول : هذا حصى أبيض، وحصى أسود، قال الشاعر :
أحقا عباد الله أن لست ماشيابهِرجاب ما دام الأراك به خُضرا
واختلف المفسرون في المراد بالرفرف على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها فضول المحابس والبسط، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال أبو عبيدة : هي : الفرش والبسط. وحكى الفراء، وابن قتيبة : أنها المحابس. وقال النقاش : الرفرف : المحابس الخُضر فوق الفرش.
والثاني : أنها رياض الجنة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير.
والثالث : أنها الوسائد، قاله الحسن.
قوله تعالى :﴿وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنها الزرابي، قاله ابن عباس، وعطاء، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، وكذلك قال ابن قتيبة : العبقري : الطنافس الثخان. قال أبو عبيدة : يقال لكل شيء من البسط : عبقري.
والثاني : أنه الديباج الغليظ، قاله مجاهد. قال الزجاج : أصل العبقري في اللغة أنه صفة لكل ما بولغ في وصفه، وأصله أن عبقر : بلد كان يوشى فيه البسط وغيرها، فنسب كل شيء جيد إليه، قال زهير :
بخيل عليها جنة عبقريةجديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا
وقرأ عثمان بن عفان، وعاصم الجحدري، وابن محيصن :﴿وعباقري﴾ بألف مكسورة القاف مفتوحة الياء من غير تنوين ؛ قال الزجاج : ولا وجه لهذه القراءة في العربية، لأن الجمع الذي بعد ألفه حرفان، نحو ؛ مساجد ومفاتح، لا يجوز أن يكون فيه مثل عباقري، لأن ما جاوز الثلاثة لا يُجمع بياء النسب، فلو جمعت " عبقري " كان جمعه " عباقرة "، كما أنك لو جمعت " مُهلبي " كان جمعه " مهالبة "، ولم تقل :" مهالبي "، قال : فإن قيل :" عبقري " واحد، و " حسان " جمع، فكيف جاز هذا ؟ فالأصل أن واحد هذا " عبقرية " والجمع " عبقري " كما تقول :
تمرة، وتمر، ولوزة، ولوز، ويكون أيضا " عبقري " اسما للجنس.
وقرأ الضحاك، وأبو العالية، وأبو عمران :" وعباقري " بألف مع التنوين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى