تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على عظمته وكمال قدرته أنه خلق أباكم آدم من تراب، ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، فأصلكم من تراب، ثم من ماء مهين، ثم تَصَوّر فكان علقة، ثم مضغة، ثم صار عظاما، شكله على شكل الإنسان، ثم كسا الله تلك العظام لحما، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو سميع بصير. ثم خرج من بطن أمه صغيرا ضعيف القوى والحركة، ثم كلما طال عمره تكاملت قواه وحركاته حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون، ويسافر في أقطار الأقاليم، ويركب متن البحور، ويدور أقطارَ الأرض ويتكسب ويجمع الأموال، وله فكرة وغور، ودهاء ومكر، ورأي وعلم، واتساع في أمور الدنيا والآخرة كل بحسبه. فسبحان مَنْ أقدرهم وسَيّرهم وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلوم والفكرة، والحسن والقبح، والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة ؛ ولهذا قال تعالى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد وغُنْدَر، قالا حدثنا عَوْف، عن قسامة بن زهير(١)، عن أبي موسى قال : قال رسول الله ﷺ :" إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن، وبين ذلك ".
ورواه أبو داود والترمذي من طرق، عن عوف الأعرابي، به(٢). وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح.
١ - في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده"..
٢ - المسند (٤/٤٠٠) وسنن أبي داود برقم (٣٦٩٣) وسنن الترمذي برقم (٢٩٥٥)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى