فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً﴾ قد تقدّم تحقيق معنى المثل، و﴿من﴾ في ﴿مّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ لابتداء الغاية وهي ومجرورها في محلّ نصب صفة لمثلاً، أي مثلاً منتزعاً، ومأخوذاً من أنفسكم، فإنها أقرب شيء منكم، وأبين من غيرها عندكم، فإذا ضرب لكم المثل بها في بطلان الشرك كان أظهر دلالة وأعظم وضوحاً. ثم بين المثل المذكور فقال :﴿هَلْ لَّكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن شُرَكَاء في مَا رزقناكم﴾. " من " في ﴿مما ملكت﴾ للتبعيض، وفي ﴿من شركاء﴾ زائدة للتأكيد، والمعنى : هل لكم شركاء فيما رزقناكم كائنون من النوع الذي ملكت أيمانكم ؟ وهم العبيد والإماء، والاستفهام للإنكار، وجملة ﴿فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء﴾ جواب للاستفهام الذي بمعنى النفي، ومحققه لمعنى الشركة بينهم وبين العبيد والإماء المملوكين لهم في أموالهم، أي هل ترضون لأنفسكم، والحال أن عبيدكم وإماءكم أمثالكم في البشرية أن يساووكم في التصرّف بما رزقناكم من الأموال، ويشاركوكم فيها من غير فرق بينكم وبينهم ؟ ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ الكاف نعت مصدر محذوف، أي تخافونهم خيفة كخيفتكم أنفسكم، أي كما تخافون الأحرار المشابهين لكم في الحرية وملك الأموال وجواز التصرف، والمقصود نفي الأشياء الثلاثة : الشركة بينهم وبين المملوكين، والاستواء معهم، وخوفهم إياهم. وليس المراد ثبوت الشركة ونفي الاستواء والخوف كما قيل في قولهم : ما تأتينا فتحدّثنا. والمراد : إقامة الحجة على المشركين فإنهم لا بدّ أن يقولوا لا نرضى بذلك، فيقال لهم : فكيف تنزّهون أنفسكم عن مشاركة المملوكين لكم وهم أمثالكم في البشرية، وتجعلون عبيد الله شركاء له ؟ فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة ؛ بطلت الشركة بين الله وبين أحد من خلقه، والخلق كلهم عبيد الله تعالى، ولم يبق إلاّ أنه الربّ وحده لا شريك له. قرأ الجمهور ﴿أنفسكم﴾ بالنصب على أنه معمول المصدر المضاف إلى فاعله، وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع على إضافة المصدر إلى مفعوله ﴿كذلك نُفَصّلُ الآيات﴾ تفصيلاً واضحاً وبياناً جلياً ﴿لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لأنهم الذين ينتفعون بالآيات التنزيلية والتكوينية باستعمال عقولهم في تدبرها والتفكر فيها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان يلبي أهل الشرك : لبيك لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فأنزل الله :﴿هَلْ لَّكُمْ مّن مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن شُرَكَاء﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : هي في الآلهة، وفيه يقول : تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ قال : دين الله ﴿ذلك الدين القيم﴾ قال : القضاء القيم. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن الأسود ابن سريع، أن رسول الله ﷺ بعث سرية إلى خيبر فقاتلوا المشركين، فانتهى القتل إلى الذرية، فلما جاؤوا قال النبي ﷺ :«ما حملكم على قتل الذرية ؟» قالوا : يا رسول الله، إنما كانوا أولاد المشركين، قال :«وهل خياركم إلاّ أولاد المشركين ؟ والذي نفسي بيده ما من نسمة تولد إلاّ على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها» وأخرج أحمد من حديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :«كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً» رواه أحمد عن الربيع بن أنس عن الحسن عن جابر. وقال الإمام أحمد في المسند : حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حماد : أن رسول الله ﷺ خطب يوماً، فقال في خطبته حاكياً عن الله سبحانه :«وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم» الحديث.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى