تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني
عن الكتاب
قوله تعالى :( فأقم وجهك للدين حنيفا ) أي : أخلص دينك لله، وإقامة الوجه هو إقامة الدين، وقد بينا معنى الحنيف.
وقوله :( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) أما نصب الفطرة على الإغراء أي : الزم فطرة الله التي فطر الناس عليها، واختلفوا في هذه الفطرة، فمنهم من قال : إن الفطرة هاهنا بمعنى الدين.
وقوله :( فطر الناس عليها ) أي : خلق الناس عليها، ويقال هذا القول عن ابن عباس والكلبي ومقاتل وغيرهم. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال :«كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه »(١).
وثبت أيضا عن النبي ﷺ أنه قال فيما يحكى عن ربه أنه قال :«خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم »(٢).
فإن قيل : كيف يستقيم هذا على أصولكم، وعندكم أن الله تعالى خلق الناس صنفين : مؤمنين، وكافرين ؟ هذه الآية والأخبار تدل على أن الله تعالى خلق عباده مؤمنين ؛ وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من صلبه، وخاطبهم بقوله :( ألست بربكم ) (٣) فأقروا بالعبودية والإيمان، فالناس يولدون على ذلك، والجواب عنه : أن أهل العلم اختلفوا في هذا، فحكى النحاس في تفسيره عن ابن المبارك : أن الآية في المؤمنين خاصة، وحكى أبو ( عبيد ) (٤) في غريب الحديث عن محمد بن الحسن أنه قال : هذا قبل نزول الأحكام والأمر بالجهاد، كأنه أشار إلى أن الآية منسوخة، ثم ذكر النحاس أن كلا المعنيين ضعيف.
أما [ ما ] ذكره ابن المبارك فهو مجرد تخصيص، وليس عليهم دليل، وأما ما ذكره محمد بن الحسن فهو إثبات النسخ في الأخبار، والأخبار لا يرد عليها النسخ، والصحيح في معنى الآية والخبر أن معنى الفطرة هو أن كل إنسان يولد على أنه متى سئل : من خلقك ؟ فيقول : الله خلقني، هو المعرفة التي تقع في أصل الخلقة.
قال أبو ( عبيد ) (٥) الهروي : وهو معرفة الغريزة والطبيعة، وإلى هذا وقعت الإشارة في قوله :( ولئن سألتهم من خلقكم ليقولون الله ) (٦) وبهذا القدر لا يحصل الإيمان المأمور به، فالناس خلقوا على هذه الفطرة، وأما حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر فالناس من ذلك على قسمين على ما ورد به الكتاب والسنة. قال الزجاج والنحاس : وهذا قول أهل السنة. وهذا القول اختيار ابن قتيبة أيضا.
وقوله :( لا تبديل لخلق الله ) على هذا القول أي : لا أحد يرجع إلى نفسه إلا ويعلم أن له إلها وخالقا.
والقول الثاني في الآية : هو أن فطرة الله هاهنا بمعنى دين الله، فالخلق يولدون على العهد الذي أخذ عليهم يوم الميثاق، وهو فطرة الله، وهذا القول حكي عن الأوزاعي وحماد بن سلمة.
وقد ورد في الخبر الذي روينا، وهو قوله :«كل مولود يولد على افطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتج البهيمة بهيمة هل تحسون فيها من جدعاء » ؟ ! قال : اقرءوا إن شئتم :( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) (٧).
قال رضي الله عنه : أخبرنا بهذا الحديث على اللفظ محمد بن. عبد الله بن محمد ابن أحمد، قال : أخبرنا أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، أخبرنا الغدافري، أخبرنا الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. . الحديث.
وفي الآية قول ثالث : وهو ما روى أبو عبيد الهروي في الغريبين عن ابن المبارك قال : قوله :«على الفطرة » أي : على ابتداء الخلقة التي فطر عليها الإنسان في الرحم من سعادة أو شقاوة، فأبواه يهودانه يعني : في حكم الدنيا. وقد صحح كثير من أهل المعاني ما ذكرناه من قبل، وهو أن الآية في المسلمين خاصة، وهو عموم بمعنى الخصوص.
وقوله :( لا تبديل لخلق الله ) فيه أقوال : أحدها : ما بينا من قبل، والقول الثاني : لا تبديل لخلق الله أي : لا ينقلب السعيد شقيا، ولا الشقي سعيدا إذا خلق على أحدهما.
والقول الثالث : لا تبديل لخلق الله أي : لا أحد يثق مثل خلق الله، ومعناه : أنه لا خالق غيره.
وعن عكرمة قال : لا تبديل لخلق الله : هو تحريم الإخصاء.
وقد اختلف العلماء فيه، منهم من حرم في الكل، ومنهم من أباح في جميع البهائم سوى الآدمي، ومنهم من أباح في جميع البهائم سوى الفرس ؛ لأن فيه قطع النسل، والنسل يقصد في الخيل ما لا يقصد في غيره. وروى عن النبي ﷺ أنه قال :«خير المال سكة مأبورة، وفرس مأمورة »(٨). والسكة المأبورة هي النخل المصطفة التي قد أبرت، والفرس المأمورة كثيرة النتاج.
وأما إذا حملنا الفطرة على الدين فقوله :( لا تبديل لخلق الله ) خبر بمعنى الأمر، كأنه قال : لا تبدلوا دين الله. وقد ورد في الخير : الفطرة بمعنى كلمة الإسلام.
روى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال :«إذا أخذ أحدكم مضجعه ثم قال : اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، قال : فإن مات مات على الفطرة »(٩).
وقد وردت الفطرة بمعنى السنة، وذلك في الخبر المعروف عن النبي ﷺ أنه قال :«عشر من الفطرة »(١٠) أي : من السنة الخبر.
وقوله :( ذلك الدين القيم ) أي : الدين المستقيم، ويقال : الحساب المستقيم.
وقوله :( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ظاهر المعنى، وأنشدوا في الفطرة قول كعب بن مالك شعرا :
وقوله :( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) أما نصب الفطرة على الإغراء أي : الزم فطرة الله التي فطر الناس عليها، واختلفوا في هذه الفطرة، فمنهم من قال : إن الفطرة هاهنا بمعنى الدين.
وقوله :( فطر الناس عليها ) أي : خلق الناس عليها، ويقال هذا القول عن ابن عباس والكلبي ومقاتل وغيرهم. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال :«كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه »(١).
وثبت أيضا عن النبي ﷺ أنه قال فيما يحكى عن ربه أنه قال :«خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم »(٢).
فإن قيل : كيف يستقيم هذا على أصولكم، وعندكم أن الله تعالى خلق الناس صنفين : مؤمنين، وكافرين ؟ هذه الآية والأخبار تدل على أن الله تعالى خلق عباده مؤمنين ؛ وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من صلبه، وخاطبهم بقوله :( ألست بربكم ) (٣) فأقروا بالعبودية والإيمان، فالناس يولدون على ذلك، والجواب عنه : أن أهل العلم اختلفوا في هذا، فحكى النحاس في تفسيره عن ابن المبارك : أن الآية في المؤمنين خاصة، وحكى أبو ( عبيد ) (٤) في غريب الحديث عن محمد بن الحسن أنه قال : هذا قبل نزول الأحكام والأمر بالجهاد، كأنه أشار إلى أن الآية منسوخة، ثم ذكر النحاس أن كلا المعنيين ضعيف.
أما [ ما ] ذكره ابن المبارك فهو مجرد تخصيص، وليس عليهم دليل، وأما ما ذكره محمد بن الحسن فهو إثبات النسخ في الأخبار، والأخبار لا يرد عليها النسخ، والصحيح في معنى الآية والخبر أن معنى الفطرة هو أن كل إنسان يولد على أنه متى سئل : من خلقك ؟ فيقول : الله خلقني، هو المعرفة التي تقع في أصل الخلقة.
قال أبو ( عبيد ) (٥) الهروي : وهو معرفة الغريزة والطبيعة، وإلى هذا وقعت الإشارة في قوله :( ولئن سألتهم من خلقكم ليقولون الله ) (٦) وبهذا القدر لا يحصل الإيمان المأمور به، فالناس خلقوا على هذه الفطرة، وأما حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر فالناس من ذلك على قسمين على ما ورد به الكتاب والسنة. قال الزجاج والنحاس : وهذا قول أهل السنة. وهذا القول اختيار ابن قتيبة أيضا.
وقوله :( لا تبديل لخلق الله ) على هذا القول أي : لا أحد يرجع إلى نفسه إلا ويعلم أن له إلها وخالقا.
والقول الثاني في الآية : هو أن فطرة الله هاهنا بمعنى دين الله، فالخلق يولدون على العهد الذي أخذ عليهم يوم الميثاق، وهو فطرة الله، وهذا القول حكي عن الأوزاعي وحماد بن سلمة.
وقد ورد في الخبر الذي روينا، وهو قوله :«كل مولود يولد على افطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتج البهيمة بهيمة هل تحسون فيها من جدعاء » ؟ ! قال : اقرءوا إن شئتم :( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) (٧).
قال رضي الله عنه : أخبرنا بهذا الحديث على اللفظ محمد بن. عبد الله بن محمد ابن أحمد، قال : أخبرنا أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، أخبرنا الغدافري، أخبرنا الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. . الحديث.
وفي الآية قول ثالث : وهو ما روى أبو عبيد الهروي في الغريبين عن ابن المبارك قال : قوله :«على الفطرة » أي : على ابتداء الخلقة التي فطر عليها الإنسان في الرحم من سعادة أو شقاوة، فأبواه يهودانه يعني : في حكم الدنيا. وقد صحح كثير من أهل المعاني ما ذكرناه من قبل، وهو أن الآية في المسلمين خاصة، وهو عموم بمعنى الخصوص.
وقوله :( لا تبديل لخلق الله ) فيه أقوال : أحدها : ما بينا من قبل، والقول الثاني : لا تبديل لخلق الله أي : لا ينقلب السعيد شقيا، ولا الشقي سعيدا إذا خلق على أحدهما.
والقول الثالث : لا تبديل لخلق الله أي : لا أحد يثق مثل خلق الله، ومعناه : أنه لا خالق غيره.
وعن عكرمة قال : لا تبديل لخلق الله : هو تحريم الإخصاء.
وقد اختلف العلماء فيه، منهم من حرم في الكل، ومنهم من أباح في جميع البهائم سوى الآدمي، ومنهم من أباح في جميع البهائم سوى الفرس ؛ لأن فيه قطع النسل، والنسل يقصد في الخيل ما لا يقصد في غيره. وروى عن النبي ﷺ أنه قال :«خير المال سكة مأبورة، وفرس مأمورة »(٨). والسكة المأبورة هي النخل المصطفة التي قد أبرت، والفرس المأمورة كثيرة النتاج.
وأما إذا حملنا الفطرة على الدين فقوله :( لا تبديل لخلق الله ) خبر بمعنى الأمر، كأنه قال : لا تبدلوا دين الله. وقد ورد في الخير : الفطرة بمعنى كلمة الإسلام.
روى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال :«إذا أخذ أحدكم مضجعه ثم قال : اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، قال : فإن مات مات على الفطرة »(٩).
وقد وردت الفطرة بمعنى السنة، وذلك في الخبر المعروف عن النبي ﷺ أنه قال :«عشر من الفطرة »(١٠) أي : من السنة الخبر.
وقوله :( ذلك الدين القيم ) أي : الدين المستقيم، ويقال : الحساب المستقيم.
وقوله :( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ظاهر المعنى، وأنشدوا في الفطرة قول كعب بن مالك شعرا :
| إن تقتلونا فدين الله فطرتنا | والقتل في الحق عند الله تفضيل |
١ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (٣/١٦٠ رقم ١٣٥٨ وأطرافه ١٣٥٩، ١٣٥٨، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩)، ومسلم (١٦/٣١٧-٣٢٢ رقم ٢٦٥٨)..
٢ - رواه مسلم وغيره من حديث عياض بن حمار، وقد تقدم تخريجه في سورة الأعراف..
٣ - الأعراف: ١٧٢..
٤ - في "ك" : أبو عبيدة، وهو خطأ، وهو أبو عبيد القاسم بن سلام الإمام المشهور، صاحب الغريب وغيره..
٥ - في "ك": أبو عبيدة، وهو خطأ، وهو العلامة اللغوي أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبيد الهروي الشافعي المؤدب صاحب الغريبين معجم الأدباء (٤/٢٦٠-٢٦١)، والسير (١٧/١٤٦-١٤٧)..
٦ - الزخرف: ٨٧..
٧ - متفق عليه، وقد تقدم تخريجه في الصفحة السابقة، وقوله: اقرءوا... إلى آخر الحديث من قول أبي هريرة..
٨ - عن سويد بن هبيرة رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٤٦٨)، والبخاري في تاريخه (١/٤٣٨، ٤٣٩)، والدولابي في الكنى (٢/١٧)، وابن سعد في الطبقات (٧/٥٥)، والطبراني في الكبير (٧/٩١ رقم ٤٦٧٠، ٦٤٧١)، وابن الأعرابي في معجمه (١/٤٦٨ رقم ٤٩٩)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢/٢٣٠-٢٣١ رقم ١٢٥٠، ١٢٥١)، والبيهقي في السنن (١٠/٦٤)، وعزاه الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/٢٦١) لابن أبي شيبة، والحارث بن أبي أسامة، وأبي عبيد والحربي في غريبيهما، وزاد: ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده موقوفا على سويد..
٩ - متفق عليه، رواه البخاري (١/٤٢٦ رقم ٢٤٧ وأطرافه ٦٣١١، ٦٣١٣، ٦٣١٥، ٧٤٨٨)، ومسلم (١٧، ٥١، ٥٤ رقم ٢٧١٠)..
١٠ - سبق تخريجه في سورة البقرة..
٢ - رواه مسلم وغيره من حديث عياض بن حمار، وقد تقدم تخريجه في سورة الأعراف..
٣ - الأعراف: ١٧٢..
٤ - في "ك" : أبو عبيدة، وهو خطأ، وهو أبو عبيد القاسم بن سلام الإمام المشهور، صاحب الغريب وغيره..
٥ - في "ك": أبو عبيدة، وهو خطأ، وهو العلامة اللغوي أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبيد الهروي الشافعي المؤدب صاحب الغريبين معجم الأدباء (٤/٢٦٠-٢٦١)، والسير (١٧/١٤٦-١٤٧)..
٦ - الزخرف: ٨٧..
٧ - متفق عليه، وقد تقدم تخريجه في الصفحة السابقة، وقوله: اقرءوا... إلى آخر الحديث من قول أبي هريرة..
٨ - عن سويد بن هبيرة رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٤٦٨)، والبخاري في تاريخه (١/٤٣٨، ٤٣٩)، والدولابي في الكنى (٢/١٧)، وابن سعد في الطبقات (٧/٥٥)، والطبراني في الكبير (٧/٩١ رقم ٤٦٧٠، ٦٤٧١)، وابن الأعرابي في معجمه (١/٤٦٨ رقم ٤٩٩)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢/٢٣٠-٢٣١ رقم ١٢٥٠، ١٢٥١)، والبيهقي في السنن (١٠/٦٤)، وعزاه الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/٢٦١) لابن أبي شيبة، والحارث بن أبي أسامة، وأبي عبيد والحربي في غريبيهما، وزاد: ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده موقوفا على سويد..
٩ - متفق عليه، رواه البخاري (١/٤٢٦ رقم ٢٤٧ وأطرافه ٦٣١١، ٦٣١٣، ٦٣١٥، ٧٤٨٨)، ومسلم (١٧، ٥١، ٥٤ رقم ٢٧١٠)..
١٠ - سبق تخريجه في سورة البقرة..