الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ أي : اتبع الذي أمرك الله به حنيفا أي : مستقيما.
﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ انتصبت " فطرت " على معنى اتبع فطرة الله(١) وقيل : هو مصدر عمل فيه الجملة التي قبله(٢) والمعنى فطر الله الناس/ على ذلك فطرة.
فالحنف : الاستقامة ولذلك قيل للمعوج الرجل :( أحنف ) على التفاؤل كما قيل للمهلكة مفازة والمفازة : النجاة، وقيل للأعمى : بصير على التفاؤل في ذلك.
قيل معنى حنيفا : مائلا عن كل الأديان إلى الإسلام(٣) فيكون الحنف على هذا : الميل، كما قيل للمائل الرجل : أحنف(٤) وقيل : على بمعنى اللام، والتقدير : التي فطر الناس لها، أي : لاتباعها، أي : دين الله الذي خلق الناس لاتباعه.
كما قال تعالى :﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾(٥).
فالمعنى دين الله المفطور له الناس، أي : المخلوق الناس له أي : خلقوا لاتباع الدين.
قال ابن زيد(٦) فطرت الله الإسلام، منذ خلقهم يقرون بذلك وقرأ ﴿وإذا أخذ ربك﴾(٧) الآية.
وهو قوله :﴿كان الناس أمة واحدة﴾(٨) وقاله مجاهد(٩) أيضا.
وفي الحديث : " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه " (١٠).
قال الأوزاعي(١١) وحماد بن سلمة(١٢) : هذا الحديث مثل قوله :﴿وإذا أخذ ربك من بني آدم﴾ الآية(١٣) فالمعنى : كل مولود يولد على العهد الذي أخذ عليه.
وفي الحديث : " أخرجهم جل ذكره أمثال الذر فأخذ عليهم العهد، فكل مولود على ذلك العهد يولد " (١٤) وقيل : معنى الآية : خلقة الله التي لا يعفونها لا تميز شيئا.
وقال ابن المبارك : هذا لمن يكون مسلما، يذهب إلى أنه مخصوص.
وقال محمد بن الحسن : هذا قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد.
وقوله جل ذكره :﴿لا تبديل لخلق الله﴾ معناه : لا تبديل لدين الله، أي : لا ينبغي لك أن تفعل ذلك قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والنخعي وابن زيد(١٥).
وقال ابن عباس : معناه لا تغيير لما خلق الله من البهائم، لا تخصى، وكره خصاء البهائم(١٦) وقرأ الآية(١٧).
ثم قال تعالى :﴿ذلك الدين القيم﴾ أي : هذا الذي تقدم ذكره هو الدين المستقيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك.
١ قوله "فطرت الله" نصب بإضمار فعل تقديره اتبع فطرة الله دل عليه قوله تعالى "فأقم وجهك للدين حنيفا" لأن معناه: اتبع الدين انظر: مشكل الإعراب لمكي ٢/٥٦١، وإعراب النحاس ٣/٢٧١، والبيان لابن الأنباري ٢/٢٥٠.
٢ انظر: مشكل الإعراب لمكي ٢/٢٦١، والبيان لابن الأنباري ٢/٢٥٠.
٣ انظر: المحرر الوجيز ١٢/٢٥٨.
٤ انظر: مفردات الراغب ١٣٤، ومادة "حنف" في الصحاح ٤/١٣٤٧، واللسان ٩/٥٧ والقاموس المحيط ٣/١٣٠.
٥ الذاريات: آية ٥٦.
٦ انظر: جامع البيان ٢١/٤٠.
٧ الأعراف ١٧٢، وفيما يلي نص الآية ﴿وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾..
٨ البقرة: آية ٢١١.
٩ انظر: جامع البيان ٢١/٤٠ والدر المنثور ٦/٤٩٣ وتفسير مجاهد ٥٩٣.
١٠ أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب التفسير سورة الروم ٦/٢٠، ومسلم في كتاب القدر، باب كل مولود يولد على الفطرة ٨/٥٢، وأبو داود في سننه باب ذراري المشركين ٤٧١٤، والترمذي في سننه أبواب القدر ٢٢٢٣، وأحمد في مسنده ٢/٣٤٦، والحميدي في مسنده ١١١٣، وكلهم رووه بالمعنى.
١١ هو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي الدمشقي أبو عمرو، فقيه محدث، روى عن قتادة وعطاء، وروى عنه يحيى بن أبي كثير ويحيى بن حمزة، توفي سنة ١٥٧ هـ انظر: تذكرة الحفاظ ١/١٧٨، ١٧٧ وتقريب التهذيب ١/٤٩٣، ١٠٦٤.
١٢ هو حماد بن سلمة بن دينار البصري الربعي بالولاء أبو سلمة مفتي البصرة، وأحد رجال الحديث، ومن النحاة، كان ثقة حافظا مأمونا أخذ عن مالك وشعبة وسفيان. انظر: حلية الأولياء ٦/٢٤٩، وميزان الاعتدال ١/٥٩٠، رقم ٢٢٥١، وتهذيب التهذيب ٣/١١، ١٤، وتقريب التهذيب ١/١٩٧، ٥٤٢.
١٣ الأعراف: آية ١٧٢ وقد تقدم ذكر نصها..
١٤ أخرجه أحمد بمعناه عن ابن عباس وفيما يلي لفظه كما ورد في المسند ١/٢٧٢: عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفة فأخرج من صلبة كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بل شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون":.
١٥ انظر: جامع البيان ٢١/٤١، والمحرر الوجيز ١٢/٢٥٨، والدر المنثور ٦/٤٩٣ وتفسير مجاهد ٥٣٩..
١٦ جاء في الصحاح ٦/٢٣٢٨، "... خصيت الفحل خصاء: إذا سللت خصييه"..
١٧ انظر: جامع البيان ٢١/٤١.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى