تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٣٠ وقوله تعالى :﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ قال بعضهم : هذا الخطاب لرسول الله لأنه ذكر الآيات في ما تقدم حيث قال :﴿ومن آياته﴾ [ الروم : ٢٠، . . ] كذا وكذا، ثم ذكر الذين أتبعوا أهواءهم بغير علم، ثم قال لرسوله(١) :﴿فأقم وجهك﴾ أنت ﴿للدين حنيفا﴾.
قال الشيخ، رحمه الله : وعندنا أي الخطاب به وبمثله لكل أحد كقوله :﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١] [ وقوله ] (٢) :﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] كأنه يخاطب كل من انتهى إليه هذا : أن ﴿قل هو الله أحد﴾ ﴿وقل يا أيها الكافرون﴾ فعلى هذا قوله :﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ هو لكل أحد.
ثم الإقامة تحتمل وجهين :
أحدهما : أقم : أي داوم جهدك وقصدك.
والثاني : أقم : أتمم، وأقم ما ذكرنا.
[ وقوله تعالى ](٣) :﴿للدين حنيفا﴾ قال بعضهم : الحنيف من حَنَفِ القدم(٤) وميله ؛ معناه : كن مائلا على الدين في كل حال وكل وقت. وقال بعضهم : هو من الإخلاص والإسلام له(٥).
ثم فسر ذلك، فقال :[ ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ هذا يحتمل وجوها :
[ أحدها :] (٦) ](٧) ﴿فطرة الله﴾ أي معرفة الله التي جبل الناس عليها : أن يكون الله يجعل في كل صغير وطفل من المعرفة ما يعرف /٤١٢-ب/ وحدانية ربه وربوبيته على ما جعل لهم من المعرفة ما فيه غذاؤهم وقوامهم من أخذ ثدي أمهاتهم في حال [ صغرهم وطفوليتهم ](٨). ولذلك يخرج قوله [ ﷺ ](٩) :( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه ) [ البخاري : ١٣٨٥ ] على ما جعل في الجبال من معرفة التسبيح لربها والتحميد، لكن أبويه يشبهان ذلك عليه، ويصرفانه.
والثاني : فطرهم، وجبلهم ما لو تركوا وعقولهم لكانوا على [ ما ](١٠) جبلوا، وفطروا، إذ فطر كل(١١) منهم، وجعل في خلقة كل دلالة وحدانية الله وربوبيته. وكذلك قوله :( كل مولود يولد على الفطرة ) [ البخاري ١٣٨٥ ] أي على الخلقة التي تدل، وتشهد على وحدانية الله وربوبيته ما لو تركوا، وخلي بينهم وبين عقولهم لأدركوا.
والثالث : فطرهم على ما يحتملون الامتحان.
وقوله تعالى :﴿لا تبديل لخلق الله﴾ قال عامة أهل التأويل : لا تبديل لدين الله، سماه خلقا.
وعلى قول المعتزلة لأنهم يقولون بأن فعل العبد ليس بمخلوق، ويحتالون في قوله :﴿لا تبديل لخلق الله﴾ أي لا تبديل لما يقع به الدعاء إليه، أو كلام نحو هذا.
فيقال : إن الدين هو ما يدين [ به ](١٢) المرء، وهو فعله، مأخوذ من دان يدين. ثم أخبر أنه خلق الله. فدل أنه مخلوق. وجائز أن يكون قوله :﴿لا تبديل لخلق الله﴾ أي لما فيه دلالة وحدانية الله وشهادة ربوبيته كقوله :﴿ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت﴾ [الملك: ٣] أي(١٣) لا تفاوت في ما فيه دلالة الوحدانية والشهادة له، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ذلك الدين القيم﴾ أخبر أن ذلك الدين القيم بالحجج والبراهين، ليس كدين أولئك الكفرة إتباع الهوى، أو أن يكون الدين القيم أي المستقيم على ما وصفه الله أنه الدين الحنيف.
١ في الأصل وم: لرسول الله..
٢ في الأصل وم: و..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: القوم..
٥ أدرج بعدها في الأصل وم: وقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾..
٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من م..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل وم: صغره وطفوليته..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ من م، ساقطة من الأصل..
١١ في الأصل وم: كلا..
١٢ ساقطة من الأصل وم..
١٣ في الأصل وم: أو..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى