البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿يعلمون ظاهراً﴾ : أي بيناً، أي ما أدّته إليهم حواسهم، فكأن علومهم إنما هي علوم البهائم.
وقال ابن عباس، والحسن، والجمهور : معناه ما فيه الظهور والعلوّ في الدنيا من اتقان الصناعات والمباني ومظان كسب المال والفلاحات، ونحو هذا.
وقالت فرقة : معناه ذاهباً زائلاً، أي يعلمون أمور الدنيا التي لا بقاء لها ولا عاقبة.
وقال الهذلي :
وعيرها الواشون أني أحبهاوتلك شكاة ظاهر عنك عارها
أي : زائل.
وقال ابن جبير :﴿ظاهراً﴾، أي يعلمون من قبل الكهنة مما يسترقه الشياطين.
وقال الرماني : كل ما يعلم بأوائل الرؤية فهو الظاهر، وما يعلم بدليل العقل فهو الباطن.
وقال الزمخشري :﴿يعلمون﴾ بدل من قول :﴿لا يعلمون﴾، وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه، وجعله بحيث يقوم مقامه ويسد مسده، لنعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا.
وقوله :﴿ظاهراً من الحياة الدنيا﴾ : يفيد أن للدنيا ظاهراً وباطناً، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها، وباطنها وحقيقتها أنها مجاز للآخرة، يتزود إليها منها بالطاعة والأعمال الصالحة ؛ وهم الثانية توكيد لهم الأولى، أو مبتدأ.
وفي إظهارهم على أي الوجهين، كانت تنبيه على غفلتهم التي صاروا ملتبسين بها، لا ينفكون عنها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى