المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وصف تعالى الكفرة الذين لا يعلمون أمر الله وصدق وعده بأنهم إنما ﴿يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا﴾، واخلتف الناس في معنى ﴿ظاهراً﴾ فقالت فرقة معناه بيناً أي ما أدته إليهم حواسهم فكأن علومهم إنما هي علوم البهائم(١)، وقال ابن عباس والحسن والجمهور : معناه ما فيه الظهور والعلو في الدنيا من إتقان الصناعات والمباني ومظان كسب الأموال والفلاحات ونحو هذا، وقالت فرقة : معناه ذاهباً زائلاً أي يعلمون أمور الدنيا التي لا بقاء لها ولا عاقبة ومثل هذه اللفظة قول الهذلي :
وعيرها الواشون أني أحبها. . . وتلك شكاة ظاهر عنك عارها(٢)
وقال سعيد بن جبير : إن قوله ﴿ظاهراً من الحياة الدنيا﴾ إشارة إلى ما يعلم من قبل الكهنة مما يسترقه الشياطين، وقال الروماني : كل ما يعلم بأوائل العقول فهو الظاهر وما يعلم بدليل العقل فهو باطن.
قال القاضي أبو محمد : وفيه تقع الغفلة وتقصير الجهال، ثم وصفهم ب «الغفلة » والإعراض عن أمر الآخرة وكرر الضمير تأكيداً، وغفلة الكافر هي على الكمال والمؤمن المنهمك في أمور الدنيا التي هي أكبر همه يأخذ من هذه الآية بحظ، نوّر الله قلوبنا بهداه، ثم وقفهم على جهة التوبيخ على أنهم قد فكروا فلم تنفعهم الفكرة والنظر إذ لم يكن على سداد، وقوله تعالى :﴿في أنفسهم﴾ يحتمل معنيين : أحدهما أن تكون الفكرة في ذواتهم وحواسهم وخلقتهم ليستدلوا بذلك على الخالق المخترع.
١ يعني أنها العلوم التي لا تهتم إلا بما تهتم به البهائم من الأكل والشرب والتناسل..
٢ قال أبو ذؤيب الهذلي هذا البيت من قصيدة رثى بها نشيبة بن محرث أحد بني حطيط، ومطلعها:
هل الدهر إلا ليلة أو نهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
والواشون: جمع واش، وهو الذي ينم بالإنسان ويسعى، وأصله من الوشي وهو التنميق والتحسين والكذب في الكلام ونشره بين الناس. وقوله: "وتلك وشاة" أي: ذلك التعبير، "ظاهر عنك عارها": أي: زائل عنك وذاهب لا يعلق بك، وهو الشاهد هنا، أي: أن تعييرهم لك لا يلزق بك، بل يبتعد عنك وينبو..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى