اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ( ٤ )﴾ قرأ(١) زيد بن علي :«يُقَاتَلُون » - بفتح التاء - على ما لم يسم فاعله.
وقرئ(٢) :«يُقَتَّلُونَ » بالتشديد.
و«صفًّا » : نصب على الحال، أي : صافين أو مصفوفين(٣).
قل القرطبي(٤) :«والمفعول مضمر، أي : يصفون أنفسهم صفًّا ». وقوله :«كأنَّهُمْ » يجوز أن يكون حالاً ثانية من فاعل :«يقاتلون »، وأن يكون حالاً من الضَّمير في «صفًّا »، فتكون حالاً متداخلة قاله الزمخشري(٥).
وأن يكون نعتاً ل «صفًّا »، قاله الحوفي.
وعاد الضمير على «صفًّا »، فيكون جمعاً في المعنى(٦)، كقوله :﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾[الحجرات: ٩].
فإن قيل : وجه تعلق هذه الآية بما قبلها، أن قوله تعالى :﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله﴾ في ذم المخالفين في القتال، وهم الذين وعدوا بالقتال ولم يقاتلوا، وهذه الآية مدح [ للموافقين ](٧)في القتال، واعلم أن المحبة على وجهين(٨).
أحدهما : الرضا عن الخلق.
وثانيهما : الثَّناء عليهم.
والمرصوص، قيل : المتلائم الأجزاء المستويها.
وقيل : المعقود بالرصاص. قاله الفراء.
وقيل : هو من التضام من تراصّ الأسنان.
وقال الراعي :[ الرجز ]
الحرقوص : دويبة تولع بالنساء الأبكار(١٠).
وقال القرطبي(١١) : والتَّراصُّ : التلاصق، ومنه قوله : وتراصوا في الصف، ومعنى الآية : إن الله - تعالى - يحب من يثبت في الجهاد، وفي سبيله، ويلزم مكانه، كثبوت البناء.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يوضع الحجر على الحجر، ثم يرص بأحجار صغار، ثم يوضع اللبن عليه، فيسمونه أهل مكة المرصوصُ(١٢).
قال ابنُ الخطيب(١٣) : ويجوز أن يكون المعنى على أن يكون ثباتهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة، وموالاة بعضهم بعضاً، كالبنيان [ المرصوص ](١٤). وقال سعيدُ بن جبيرٍ : هذا تعليم من الله للمؤمنين، كيف يكونون عند قتال عدوهم.
قال القرطبي(١٥) : استدل بهذه الآية بعضهم على أن قتال الراجل أفضل من قتال الفارس ؛ لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة.
قال المهدويُّ : وذلك غير مستقيم لما جاء في فضل الفارس من الأجر والغنيمة، ولا يخرج الفرسان من معنى الآية ؛ لأن معناه الثبات.
لا يجوز الخروج من الصفِّ إلا لحاجة تعرض للإنسان، أو في رسالة يرسلها الإمام، أو منفعة تظهر في المقام ك «فرصة » تنتهز ولا خلاف فيها.
وفي الخروج عن الصف للمبارزة [ خلاف ](١٦).
فقيل : إنه لا بأس بذلك إرهاباً للعدو، وطلباً للشهادة، وتحريضاً على القتال.
وقيل : لا يبرز أحد طلباً لذلك ؛ لأن فيه رياء وخروجاً إلى ما نهى الله عنه من لقاء العدو، وإنما تكون المبارزة إذا طلبها الكافر، كما كانت في حروب النبي ﷺ يوم «بدر »، وفي غزوة «خيبر »، وعليه درج السلف. وقد تقدم الكلام في ذلك في سورة «البقرة » عند قوله :﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾[ الآية : ١٩٥ ].
وقرئ(٢) :«يُقَتَّلُونَ » بالتشديد.
و«صفًّا » : نصب على الحال، أي : صافين أو مصفوفين(٣).
قل القرطبي(٤) :«والمفعول مضمر، أي : يصفون أنفسهم صفًّا ». وقوله :«كأنَّهُمْ » يجوز أن يكون حالاً ثانية من فاعل :«يقاتلون »، وأن يكون حالاً من الضَّمير في «صفًّا »، فتكون حالاً متداخلة قاله الزمخشري(٥).
وأن يكون نعتاً ل «صفًّا »، قاله الحوفي.
وعاد الضمير على «صفًّا »، فيكون جمعاً في المعنى(٦)، كقوله :﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾[الحجرات: ٩].
فصل :
فإن قيل : وجه تعلق هذه الآية بما قبلها، أن قوله تعالى :﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله﴾ في ذم المخالفين في القتال، وهم الذين وعدوا بالقتال ولم يقاتلوا، وهذه الآية مدح [ للموافقين ](٧)في القتال، واعلم أن المحبة على وجهين(٨).
أحدهما : الرضا عن الخلق.
وثانيهما : الثَّناء عليهم.
والمرصوص، قيل : المتلائم الأجزاء المستويها.
وقيل : المعقود بالرصاص. قاله الفراء.
وقيل : هو من التضام من تراصّ الأسنان.
وقال الراعي :[ الرجز ]
| ٤٧٦٣ - مَا لَقِيَ البِيضُ من الحُرْقًوصِ | يَفْتَحُ بَابَ المغْلَقِ المَرْصُوصِ(٩) |
وقال القرطبي(١١) : والتَّراصُّ : التلاصق، ومنه قوله : وتراصوا في الصف، ومعنى الآية : إن الله - تعالى - يحب من يثبت في الجهاد، وفي سبيله، ويلزم مكانه، كثبوت البناء.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يوضع الحجر على الحجر، ثم يرص بأحجار صغار، ثم يوضع اللبن عليه، فيسمونه أهل مكة المرصوصُ(١٢).
قال ابنُ الخطيب(١٣) : ويجوز أن يكون المعنى على أن يكون ثباتهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة، وموالاة بعضهم بعضاً، كالبنيان [ المرصوص ](١٤). وقال سعيدُ بن جبيرٍ : هذا تعليم من الله للمؤمنين، كيف يكونون عند قتال عدوهم.
فصل في أن قتال الراجل أفضل من الفارس :
قال القرطبي(١٥) : استدل بهذه الآية بعضهم على أن قتال الراجل أفضل من قتال الفارس ؛ لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة.
قال المهدويُّ : وذلك غير مستقيم لما جاء في فضل الفارس من الأجر والغنيمة، ولا يخرج الفرسان من معنى الآية ؛ لأن معناه الثبات.
فصل في الخروج من الصف :
لا يجوز الخروج من الصفِّ إلا لحاجة تعرض للإنسان، أو في رسالة يرسلها الإمام، أو منفعة تظهر في المقام ك «فرصة » تنتهز ولا خلاف فيها.
وفي الخروج عن الصف للمبارزة [ خلاف ](١٦).
فقيل : إنه لا بأس بذلك إرهاباً للعدو، وطلباً للشهادة، وتحريضاً على القتال.
وقيل : لا يبرز أحد طلباً لذلك ؛ لأن فيه رياء وخروجاً إلى ما نهى الله عنه من لقاء العدو، وإنما تكون المبارزة إذا طلبها الكافر، كما كانت في حروب النبي ﷺ يوم «بدر »، وفي غزوة «خيبر »، وعليه درج السلف. وقد تقدم الكلام في ذلك في سورة «البقرة » عند قوله :﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾[ الآية : ١٩٥ ].
١ ينظر: الكشاف ٤/٥٢٣، والبحر المحيط ٨/٢٥٩، والدر المصون ٦/٣١٠..
٢ ينظر: السابق..
٣ ينظر: الدر المصون ٦/٣١٠..
٤ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٥٣..
٥ ينظر: الكشاف ٤/٥٢٣..
٦ ينظر: الدر المصون ٦/٣١٠..
٧ في أ: المقاتلين..
٨ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٧١..
٩ ونسب البيتان لأعرابية كما في اللسان، قال: قالت أعرابية:
ما لقي البيض من الحرقوص
من مارد لص من اللصوص
يدخل تحت الغلق المرصوص
بمهر لا غال ولا رخيص
ينظر اللسان (حرقص)، والبحر ٨/٢٥٧، والدر المصون ٦/٣١٠..
١٠ ينظر: الدر المصون٦/٣١٠..
١١ الجامع لأحكام القرآن١٨/٥٤..
١٢ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٩/٢٧٠) عن ابن عباس..
١٣ التفسير الكبير ٢٩/٢٧١..
١٤ سقط من أ..
١٥ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٥٤..
١٦ سقط من أ..
٢ ينظر: السابق..
٣ ينظر: الدر المصون ٦/٣١٠..
٤ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٥٣..
٥ ينظر: الكشاف ٤/٥٢٣..
٦ ينظر: الدر المصون ٦/٣١٠..
٧ في أ: المقاتلين..
٨ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٧١..
٩ ونسب البيتان لأعرابية كما في اللسان، قال: قالت أعرابية:
ما لقي البيض من الحرقوص
من مارد لص من اللصوص
يدخل تحت الغلق المرصوص
بمهر لا غال ولا رخيص
ينظر اللسان (حرقص)، والبحر ٨/٢٥٧، والدر المصون ٦/٣١٠..
١٠ ينظر: الدر المصون٦/٣١٠..
١١ الجامع لأحكام القرآن١٨/٥٤..
١٢ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٩/٢٧٠) عن ابن عباس..
١٣ التفسير الكبير ٢٩/٢٧١..
١٤ سقط من أ..
١٥ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٥٤..
١٦ سقط من أ..