فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
﴿إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ قال المفسرون : إن المؤمنين قالوا : وددنا أن الله يخبرنا بأحبّ الأعمال إليه حتى نعمله ولو ذهبت فيه أموالنا وأنفسنا. فأنزل الله :﴿إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون﴾ الآية، وانتصاب ﴿صفاً﴾ على المصدرية، والمفعول محذوف : أي يصفون أنفسهم صفا، وقيل : هو مصدر في موضع الحال : أي صافين أو مصفوفين. قرأ الجمهور :﴿يُقَاتِلُونَ﴾ على البناء للفاعل. وقرأ زيد بن عليّ على البناء للمفعول، وقرئ ( يقتلون ) بالتشديد، وجملة :﴿كَأَنَّهُم بنيان مَّرْصُوصٌ﴾ في محل نصب على الحال من فاعل ﴿يقاتلون﴾، أو من الضمير في ﴿صفاً﴾ على تقدير أنه مؤوّل بصافين أو مصفوفين، ومعنى ﴿مَّرْصُوصٌ﴾ : ملتزق بعضه ببعض، يقال : رصصت البناء أرصه رصاً : إذا ضممت بعضه إلى بعض. قال الفرّاء : مرصوص بالرصاص. قال المبرد : هو مأخوذ من رصصت البناء : إذا لا يمت بينه وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة، وقيل : هو من الرصيص، وهو ضمّ الأشياء بعضها إلى بعض، والتراصّ : التلاصق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون : وددنا لو أن الله أخبرنا بأحبّ الأعمال فنعمل به، فأخبر الله نبيه ﷺ أن أحبّ الأعمال : إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقرّوا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين وشقّ عليهم أمره، فقال الله :﴿يأيهَا الذين ءامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه في قوله :﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ قال : هذه الآية في القتال وحده، وهم قوم كانوا يأتون النبيّ ﷺ فيقول الرجل : قاتلت وضربت بسيفي ولم يفعلوا، فنزلت. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عنه أيضاً قال : قالوا لو نعلم أحبّ الأعمال إلى الله لفعلناه، فأخبرهم الله فقال :﴿إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بنيان مَّرْصُوصٌ﴾ فكرهوا ذلك، فأنزل الله :﴿يأيهَا الذين ءامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً ﴿كَأَنَّهُم بنيان مَّرْصُوصٌ﴾ قال : مثبت لا يزول ملصق بعضه على بعض. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله ﷺ :«إن لي أسماء : أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الله الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب : والعاقب الذي ليس بعده نبيّ».