فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان
عن الكتاب
﴿وإذ قال عيسى بن مريم﴾ معطوف على وإذ قال موسى، معمول لعامله، أو معمول لعامل مقدر معطوف على عامل الظرف الأول، ﴿يا بني إسرائيل﴾ ولم يقل : يا قوم كما قال موسى لأنه لا نسب ولا أب له فيهم فيكونوا قومه، وأمه مريم من أشرفهم نسبا، ﴿إني رسول الله إليكم﴾ أي أرسلت إليكم بالوصف الذي وصفت به التوراة حال كوني ﴿مصدقا لما بين يدي من التوراة﴾ لأني لم آتكم بشيء يخالف التوراة، بل هي مشتملة على التبشير بي فكيف تنفرون عني وتخالفونني ؟ وذكر أشهر الكتب الذي حكم به النبيون، وأشهر الرسل الذي هو خاتم المرسلين.
﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي﴾ وإذا كنت كذلك في التصديق والتبشير فلا مقتضى لتكذيبي، وقرئ بعدي بفتح الياء وبإسكانها ﴿اسمه أحمد﴾ هو نبينا ﷺ، وهو علم منقول من الصفة وهي تحتمل أن تكون مبالغة من الفاعل، فيكون معناها أنه أكثر حمد من غيره، أو من المفعول، فيكون معناها أنه يحمد بما فيه من خصال الخير أكثر مما يحمد غيره وبالاعتبار الأول قدم عيسى هذا الاسم على محمد، لأن كونه حامدا لله سابق على حمد الخلق له أنهم لم يحمدوه إلا بعد وجوده في الخارج، وحمده لربه كان قبل حمد الناس له وقال الكرخي : إنه إنما خصه بالذكر لأنه في الإنجيل مسمى بهذا الاسم ولأنه في السماء أحمد فذكر باسمه السماوي لأنه أحمد الناس لربه، لأن حمده لربه بما يفتحه الله عليه يوم القيامة من المحامد قبل شفاعته لأمته سابق على حمدهم له تعالى.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما :" عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله ﷺ : إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الحاشر الذي يحشر الله الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب والعاقب الذي ليس بعده نبي "، وفي بعض حواشي البيضاوي أن له أربعة آلاف اسم، وأن نحو سبعين منها من أسمائه تعالى انتهى، والحق أن أسماء الله ورسوله ﷺ، توقيفية لا يزاد عليها، ولا يدعى ولا يسمى بغيرها، وفي الخازن تحت هذه الآية :" عن أبي موسى قال : أمر رسول الله ﷺ، أصحابه أن يأتوا النجاشي، وذكر الحديث، وفيه قال : سمعت النجاشي يقول : أشهد أن محمدا رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك وما تحملت من أمر الناس، لأتيته حتى أحمل نعليه "، أخرجه أبو داود.
" وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى ابن مريم يدفن معه، قال أبو داود المدني : قد بقي في البيت موضع قبر " أخرجه الترمذي، وعن كعب الأحبار أن الحواريين قالوا لعيسى : يا رسول الله هل بعدنا من أمة ؟ قال : نعم يأتي بعدكم أمة حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم في الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل انتهى. ومثله في الخطيب، ويقال مكان قوله : يأتي بعدكم أمة لفظ : أمة أحمد.
وقال :" روي أنه ﷺ قال : اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار، واسمي في الزبور الماحي محا الله بي عبدة الأوثان، واسمي في الإنجيل أحمد، وفي القرآن محمد، لأني محمود في أهل السماء والأرض " انتهى، ولينظر في سند هذا الحديث، قال القرطبي : واسم محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه وتعالى سماه قبل أن يسمي به نفسه، فهذا علم من أعلام نبوته انتهى، وذكره عيسى عليه السلام وقال : اسمه أحمد وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه تلك أمة أحمد فقال : اللهم اجعلني من أمة محمد فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد، لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له، فلما وجد وبعث كان محمدا بالفعل انتهى من الخطيب.
﴿تنبيه﴾ قد راجعنا من التفاسير الموجودة عندنا الآن جلها كتفسير أبي السعود والمدارك للنسفي والبيضاوي وحاشيته من الخفاجي والجلالين وحاشية سليمان الجمل عليه والخطيب والخازن وأمثال ذلك في هذا المقام تحت هذه الآية فلم نجد أحدا من هؤلاء الأعلام ذكر هذه البشارة نقلا عن الإنجيل، ولعل السبب في ذلك عدم رجوعهم إلى الكتب العتيقة والجديدة وتراجمها بالألسنة المختلفة، أو عدم وجودها في تلك الأزمنة أو لعدم الاعتماد عليها لما تطرق من التحريف إليها، ولكنا أحببنا أن نذكر في هذا المقام من النصوص الإنجيلية وغيرها بعضا من الأدلة الدالة على بشارة عيسى عليه السلام بإتيان رسول من بعده اسمه أحمد، فإن من منن الله سبحانه على عباده المؤمنين ومن تمام حجته على أهل الكتاب أن الإخبارات والأمثلة والبشارات الواردة في حق نبينا محمد ﷺ، الناصة على ثبوت نبوته العامة، ورسالته الشاملة للخليقة، كلها توجد كثيرا في تلك الكتب إلى هذا الآن، مع ما وقع فيها من التحريفات اللفظية والمعنوية، كما نطق به الأحاديث والقرآن.
ومن عرف طريق إخبار النبي المتقدم عن النبي المتأخر، ونظر بعين الإنصاف إلى هذه البشارات، وقابلها بالإخبارات التي نقلتها النصارى في عيسى ابن مريم عليهما السلام، جزم بأن هذه الإخبارات عن نبينا محمد ﷺ، في غاية من القوة، ونهاية من الصحة والشهرة والقبول، وهذه جملة صالحة منها تذكر هنا ونتكلم عليها بما يكشف عن حالها، والدلالة منها على هذا المقصود فأقول وبالله أجول وأصول : فمن تلك البشارات ما في الباب السابع عشر من سفر التكوين :
وعلى إسماعيل أستجيب لك هو ذا أباركه وأكبره، وأكثره جدا، فسيلد اثني عشر رئيسا، وأجعله لشعب كبير انتهى، فقوله : أجعله لشعب كبير مشير إلى محمد ﷺ، لأنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لشعب كبير غيره وقد قال تعالى ناقلا دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في كلامه المجيد :﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم﴾.
قال الرازي : وفي الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا : وأنا أطلب لكم إلى أبي حتى يمنحكم ويعطيكم الفارقليط حتى يكون معكم إلى الأبد والفارقليط هو روح الحق اليقين : هذا لفظ الإنجيل المنقول إلى العربي.
وذكر في الإصحاح الخامس عشر هذا اللفظ : وأما الفارقليط روح القدس يرسله أبي باسمي ويعلمكم ويمنحكم جميع الأشياء، وهو يذكركم ما قلت لكم، ثم ذكر بعد ذلك بقليل، وإني قد أخبرتكم بهذا قبل أن يكون حتى إذا كان ذلك تؤمنون، وذكر في الإصحاح السادس عشر هكذا، ولكن أقول لكم الآن حقا يقينا انطلاقي عنكم خير لكم، فإن لم أنطلق عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط وإن انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء هو يفيد أهل العالم، ويدنيهم ويمنحهم، ويوقفهم على الخطبة والبر والدين، وذكر بعد ذلك بقليل هكذا فإن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم لا تقدرون على قبوله والاحتفاظ له، ولكن إذا جاء روح الحق إليكم يلهمكم ويؤيدكم بجميع الحق، لأنه ليس يتكلم بدعة من تلقاء نفسه، هذا ما في الإنجيل انتهى كلام الرازي.
وفي الزبور المائة والتاسع والأربعين : سبحوا الرب تسبيحا جديدا سبحوه في مجمع الأبرار، فليفرح إسرائيل بخالقه، وبنو صهيون يبتهجون بملكهم، فليسبحوا اسمه بالمصياف بالطبل والمزمار، يرتلوا له لن الرب يسر بشعبه ويشرف المتواضعين، بالخلاص تفتخر الأبرار بالمجد، ويبتهجون على مضاجعهم ترفيع الله في حلوقهم، وسيوف ذات فمين في أياديهم، ليضعوا انتقاما في الأمم وتوبيخات في الشعوب، ليقيدوا ملوكهم بالقيود وأشرافهم بالأغلال من حديد، ليضعوا بهم حكما مكتوبا، هذا المجد يكون لجميع الأبرار اه.
وهذا الزبور عبر عن المبشر به بالملك، وعن مطيعيه بالأبرار، وصدق جميع هذه الصفات على محمد ﷺ، وأصحابه رضي الله عنهم، ولا ينكر ذلك إلا من عمى الله عين بصيرته : وخذله عن سبيل هدايته، ومنها ما في إنجيل يوحنا وترجمته بالعربية : إن كنتم تحبوني فحافظوا على كلامي وأنا ألتمس الآب فيرسل إليكم فارقليطاء آخر ليمكث معكم إلى أبد الآبدين انتهى، وهذا من أعظم الدلائل الدالة على نبوته ﷺ، وقد أعرض عنه النصارى إعراضا كليا.
والفارقليطاء، عجمية يونانية معناه الشافع والواسطة والمسلي والممجد وهذه المعاني تدل على الممدوح، بعضها بالمطابقة وبعضها بالتضمن وبعضها بالالتزام فإن التمجيد مرادف للحمد، والثلاثة الأخر مما توجب الحمد. فهذا هو معنى قوله سبحانه :﴿مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾، والدليل على ذلك وصفه بالمكث إلى الأبد والدوام، فإنه لم يأت بعد عيسى عليه السلام أحد يتصف بهذه الصفة غيره، وفي التنكير دلالة على أن هذا الفارقليطاء، الذي هو الآن معكم أي المسيح زمني ولا يبقى إلى الأبد والذي يأتي بعده أبدي.
وإن فسره النصارى بالروح القدس فهذا خطأ لأن الروح القدس لم يبق معهم بعد يوم الدار ولا يوجد معهم في زماننا هذا غير روح إبليس شيء فيكون عدولهم عن إتباع أمره هو محافظتهم عليه، وإلا فإن كان الفارقليطاء عبارة عن الروح القدس الذي نزل على الحواريين يوم الدار لاستطاع أساقفة النصارى وقسوسهم أن يفعلوا الخوارق التي فعل المسيح، لكنهم لا يستطيعون على شيء من ذلك، فالفارقليطاء ليس بعبارة عن الروح القدس الذي نزل عليهم يوم الدار، أما المقدم فلأن الحواريين كانوا يعملون الخوارق التي كان يفعلها المسيح، وأما التالي فلأنه لم ينقل عنهم لا في الغابر ولا في الحال.
وأما قولنا : إن محمدا ﷺ، هو المتصف بالمكث إلى الأبد فلأنه لم يأت بعد محمد ﷺ، من يدعي النبوة، ويظهر المعجزة، فانحصرت فيه حتى يأتي غيره، ومعنى الدوام هو بقاء ملته على دعائهما الأصلية، وعدم تحريف كتابه العزيز، بل وسنته المطهرة، وعدم اختلال شريعته الحقة الصادقة، ولا ينقض ذلك باختلاف المذاهب، لأن هذا الاختلاف مما يتعلق بالفروع، وفي رومية وأشعياء : ها أنا واضع في صهيون حجرة عثرة، وصخرة شك، وكل من يؤمن بها لا يخجل انتهى. وتقييد عدم الخجالة بالإيمان بها فيه دلالة على صحة نبوته ﷺ، وأخذه النصارى وأولوه على عادتهم، واستدلوا به على ربوبية المسيح، وليس بشيء وصهيون جبل في أورشليم، وقيل : بل عقبة أسست عليها أورشليم، والحجرة والصخرة والعثرة والشك من المترادفات.
وسياق الكلام في رومية أن بولوس كان يعظ بعيسى، ويوبخ اليهود على عدم إيمانهم به وهو كلام طويل آخره قوله : وأما إسرائيل فإنه قد طلب شريعة العدل، ولم يظفر بها، ولم لم يظفر بها ؟ لأنهم لم يطلبوها بالإيمان، بل بأعمال الشريعة، وذلك لأنهم عثروا بحجرة كما حررها آنذا واضع حجرة تمعثر، وصخرة شك، وكل من يؤمن بها لا يخجل. يريد بذلك أن بني إسرائيل كانوا يطلبون الهدى فلم يصيبوه، لأنهم كانوا يطلبونه بمحض الأعمال لا بالإيمان، وهذا يدل على أن غاية شريعة عيسى لم تكن إلا بالقوة النظرية، وسبب عدم صلبهم إياه بالإيمان لأنهم عثروا بعيسى لأنهم لم يعرفوه، واستدل على عدم إيمانهم به بقول أشعياء، وهذا لا يدل على ربوبيته، بل ولا على نبوته.
وسياقه في أشعياء هو قوله : ألا لا تتكلموا على من تتكلم عليه هذه
﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي﴾ وإذا كنت كذلك في التصديق والتبشير فلا مقتضى لتكذيبي، وقرئ بعدي بفتح الياء وبإسكانها ﴿اسمه أحمد﴾ هو نبينا ﷺ، وهو علم منقول من الصفة وهي تحتمل أن تكون مبالغة من الفاعل، فيكون معناها أنه أكثر حمد من غيره، أو من المفعول، فيكون معناها أنه يحمد بما فيه من خصال الخير أكثر مما يحمد غيره وبالاعتبار الأول قدم عيسى هذا الاسم على محمد، لأن كونه حامدا لله سابق على حمد الخلق له أنهم لم يحمدوه إلا بعد وجوده في الخارج، وحمده لربه كان قبل حمد الناس له وقال الكرخي : إنه إنما خصه بالذكر لأنه في الإنجيل مسمى بهذا الاسم ولأنه في السماء أحمد فذكر باسمه السماوي لأنه أحمد الناس لربه، لأن حمده لربه بما يفتحه الله عليه يوم القيامة من المحامد قبل شفاعته لأمته سابق على حمدهم له تعالى.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما :" عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله ﷺ : إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الحاشر الذي يحشر الله الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب والعاقب الذي ليس بعده نبي "، وفي بعض حواشي البيضاوي أن له أربعة آلاف اسم، وأن نحو سبعين منها من أسمائه تعالى انتهى، والحق أن أسماء الله ورسوله ﷺ، توقيفية لا يزاد عليها، ولا يدعى ولا يسمى بغيرها، وفي الخازن تحت هذه الآية :" عن أبي موسى قال : أمر رسول الله ﷺ، أصحابه أن يأتوا النجاشي، وذكر الحديث، وفيه قال : سمعت النجاشي يقول : أشهد أن محمدا رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك وما تحملت من أمر الناس، لأتيته حتى أحمل نعليه "، أخرجه أبو داود.
" وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى ابن مريم يدفن معه، قال أبو داود المدني : قد بقي في البيت موضع قبر " أخرجه الترمذي، وعن كعب الأحبار أن الحواريين قالوا لعيسى : يا رسول الله هل بعدنا من أمة ؟ قال : نعم يأتي بعدكم أمة حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم في الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل انتهى. ومثله في الخطيب، ويقال مكان قوله : يأتي بعدكم أمة لفظ : أمة أحمد.
وقال :" روي أنه ﷺ قال : اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار، واسمي في الزبور الماحي محا الله بي عبدة الأوثان، واسمي في الإنجيل أحمد، وفي القرآن محمد، لأني محمود في أهل السماء والأرض " انتهى، ولينظر في سند هذا الحديث، قال القرطبي : واسم محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه وتعالى سماه قبل أن يسمي به نفسه، فهذا علم من أعلام نبوته انتهى، وذكره عيسى عليه السلام وقال : اسمه أحمد وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه تلك أمة أحمد فقال : اللهم اجعلني من أمة محمد فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد، لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له، فلما وجد وبعث كان محمدا بالفعل انتهى من الخطيب.
﴿تنبيه﴾ قد راجعنا من التفاسير الموجودة عندنا الآن جلها كتفسير أبي السعود والمدارك للنسفي والبيضاوي وحاشيته من الخفاجي والجلالين وحاشية سليمان الجمل عليه والخطيب والخازن وأمثال ذلك في هذا المقام تحت هذه الآية فلم نجد أحدا من هؤلاء الأعلام ذكر هذه البشارة نقلا عن الإنجيل، ولعل السبب في ذلك عدم رجوعهم إلى الكتب العتيقة والجديدة وتراجمها بالألسنة المختلفة، أو عدم وجودها في تلك الأزمنة أو لعدم الاعتماد عليها لما تطرق من التحريف إليها، ولكنا أحببنا أن نذكر في هذا المقام من النصوص الإنجيلية وغيرها بعضا من الأدلة الدالة على بشارة عيسى عليه السلام بإتيان رسول من بعده اسمه أحمد، فإن من منن الله سبحانه على عباده المؤمنين ومن تمام حجته على أهل الكتاب أن الإخبارات والأمثلة والبشارات الواردة في حق نبينا محمد ﷺ، الناصة على ثبوت نبوته العامة، ورسالته الشاملة للخليقة، كلها توجد كثيرا في تلك الكتب إلى هذا الآن، مع ما وقع فيها من التحريفات اللفظية والمعنوية، كما نطق به الأحاديث والقرآن.
ومن عرف طريق إخبار النبي المتقدم عن النبي المتأخر، ونظر بعين الإنصاف إلى هذه البشارات، وقابلها بالإخبارات التي نقلتها النصارى في عيسى ابن مريم عليهما السلام، جزم بأن هذه الإخبارات عن نبينا محمد ﷺ، في غاية من القوة، ونهاية من الصحة والشهرة والقبول، وهذه جملة صالحة منها تذكر هنا ونتكلم عليها بما يكشف عن حالها، والدلالة منها على هذا المقصود فأقول وبالله أجول وأصول : فمن تلك البشارات ما في الباب السابع عشر من سفر التكوين :
وعلى إسماعيل أستجيب لك هو ذا أباركه وأكبره، وأكثره جدا، فسيلد اثني عشر رئيسا، وأجعله لشعب كبير انتهى، فقوله : أجعله لشعب كبير مشير إلى محمد ﷺ، لأنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لشعب كبير غيره وقد قال تعالى ناقلا دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في كلامه المجيد :﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم﴾.
قال الرازي : وفي الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا : وأنا أطلب لكم إلى أبي حتى يمنحكم ويعطيكم الفارقليط حتى يكون معكم إلى الأبد والفارقليط هو روح الحق اليقين : هذا لفظ الإنجيل المنقول إلى العربي.
وذكر في الإصحاح الخامس عشر هذا اللفظ : وأما الفارقليط روح القدس يرسله أبي باسمي ويعلمكم ويمنحكم جميع الأشياء، وهو يذكركم ما قلت لكم، ثم ذكر بعد ذلك بقليل، وإني قد أخبرتكم بهذا قبل أن يكون حتى إذا كان ذلك تؤمنون، وذكر في الإصحاح السادس عشر هكذا، ولكن أقول لكم الآن حقا يقينا انطلاقي عنكم خير لكم، فإن لم أنطلق عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط وإن انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء هو يفيد أهل العالم، ويدنيهم ويمنحهم، ويوقفهم على الخطبة والبر والدين، وذكر بعد ذلك بقليل هكذا فإن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم لا تقدرون على قبوله والاحتفاظ له، ولكن إذا جاء روح الحق إليكم يلهمكم ويؤيدكم بجميع الحق، لأنه ليس يتكلم بدعة من تلقاء نفسه، هذا ما في الإنجيل انتهى كلام الرازي.
وفي الزبور المائة والتاسع والأربعين : سبحوا الرب تسبيحا جديدا سبحوه في مجمع الأبرار، فليفرح إسرائيل بخالقه، وبنو صهيون يبتهجون بملكهم، فليسبحوا اسمه بالمصياف بالطبل والمزمار، يرتلوا له لن الرب يسر بشعبه ويشرف المتواضعين، بالخلاص تفتخر الأبرار بالمجد، ويبتهجون على مضاجعهم ترفيع الله في حلوقهم، وسيوف ذات فمين في أياديهم، ليضعوا انتقاما في الأمم وتوبيخات في الشعوب، ليقيدوا ملوكهم بالقيود وأشرافهم بالأغلال من حديد، ليضعوا بهم حكما مكتوبا، هذا المجد يكون لجميع الأبرار اه.
وهذا الزبور عبر عن المبشر به بالملك، وعن مطيعيه بالأبرار، وصدق جميع هذه الصفات على محمد ﷺ، وأصحابه رضي الله عنهم، ولا ينكر ذلك إلا من عمى الله عين بصيرته : وخذله عن سبيل هدايته، ومنها ما في إنجيل يوحنا وترجمته بالعربية : إن كنتم تحبوني فحافظوا على كلامي وأنا ألتمس الآب فيرسل إليكم فارقليطاء آخر ليمكث معكم إلى أبد الآبدين انتهى، وهذا من أعظم الدلائل الدالة على نبوته ﷺ، وقد أعرض عنه النصارى إعراضا كليا.
والفارقليطاء، عجمية يونانية معناه الشافع والواسطة والمسلي والممجد وهذه المعاني تدل على الممدوح، بعضها بالمطابقة وبعضها بالتضمن وبعضها بالالتزام فإن التمجيد مرادف للحمد، والثلاثة الأخر مما توجب الحمد. فهذا هو معنى قوله سبحانه :﴿مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾، والدليل على ذلك وصفه بالمكث إلى الأبد والدوام، فإنه لم يأت بعد عيسى عليه السلام أحد يتصف بهذه الصفة غيره، وفي التنكير دلالة على أن هذا الفارقليطاء، الذي هو الآن معكم أي المسيح زمني ولا يبقى إلى الأبد والذي يأتي بعده أبدي.
وإن فسره النصارى بالروح القدس فهذا خطأ لأن الروح القدس لم يبق معهم بعد يوم الدار ولا يوجد معهم في زماننا هذا غير روح إبليس شيء فيكون عدولهم عن إتباع أمره هو محافظتهم عليه، وإلا فإن كان الفارقليطاء عبارة عن الروح القدس الذي نزل على الحواريين يوم الدار لاستطاع أساقفة النصارى وقسوسهم أن يفعلوا الخوارق التي فعل المسيح، لكنهم لا يستطيعون على شيء من ذلك، فالفارقليطاء ليس بعبارة عن الروح القدس الذي نزل عليهم يوم الدار، أما المقدم فلأن الحواريين كانوا يعملون الخوارق التي كان يفعلها المسيح، وأما التالي فلأنه لم ينقل عنهم لا في الغابر ولا في الحال.
وأما قولنا : إن محمدا ﷺ، هو المتصف بالمكث إلى الأبد فلأنه لم يأت بعد محمد ﷺ، من يدعي النبوة، ويظهر المعجزة، فانحصرت فيه حتى يأتي غيره، ومعنى الدوام هو بقاء ملته على دعائهما الأصلية، وعدم تحريف كتابه العزيز، بل وسنته المطهرة، وعدم اختلال شريعته الحقة الصادقة، ولا ينقض ذلك باختلاف المذاهب، لأن هذا الاختلاف مما يتعلق بالفروع، وفي رومية وأشعياء : ها أنا واضع في صهيون حجرة عثرة، وصخرة شك، وكل من يؤمن بها لا يخجل انتهى. وتقييد عدم الخجالة بالإيمان بها فيه دلالة على صحة نبوته ﷺ، وأخذه النصارى وأولوه على عادتهم، واستدلوا به على ربوبية المسيح، وليس بشيء وصهيون جبل في أورشليم، وقيل : بل عقبة أسست عليها أورشليم، والحجرة والصخرة والعثرة والشك من المترادفات.
وسياق الكلام في رومية أن بولوس كان يعظ بعيسى، ويوبخ اليهود على عدم إيمانهم به وهو كلام طويل آخره قوله : وأما إسرائيل فإنه قد طلب شريعة العدل، ولم يظفر بها، ولم لم يظفر بها ؟ لأنهم لم يطلبوها بالإيمان، بل بأعمال الشريعة، وذلك لأنهم عثروا بحجرة كما حررها آنذا واضع حجرة تمعثر، وصخرة شك، وكل من يؤمن بها لا يخجل. يريد بذلك أن بني إسرائيل كانوا يطلبون الهدى فلم يصيبوه، لأنهم كانوا يطلبونه بمحض الأعمال لا بالإيمان، وهذا يدل على أن غاية شريعة عيسى لم تكن إلا بالقوة النظرية، وسبب عدم صلبهم إياه بالإيمان لأنهم عثروا بعيسى لأنهم لم يعرفوه، واستدل على عدم إيمانهم به بقول أشعياء، وهذا لا يدل على ربوبيته، بل ولا على نبوته.
وسياقه في أشعياء هو قوله : ألا لا تتكلموا على من تتكلم عليه هذه