اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ﴾.
الإطفاءُ هو الإخماد، يستعملان في النار، وفيما يجري مجراها من الضياء والظهور، ويفترق الإخماد والإطفاء من حيث إن الإطفاء يستعمل في القليل، فيقال : أطفأت السراج، ولا يقال : أخمدت السراج(١).
وفي هذا اللام أوجه(٢) :
أحدها : أنَّها مزيدة في مفعول الإرادة.
قال الزمخشري(٣) : أصله ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ﴾ كما في سورة التوبة [ ٣٢ ]، وكأنَّ هذه اللام، زيدت مع فعل الإرادة توكيداً له لما فيها من معنى الإرادة في قولك : جئت لإكرامك وفي قولك :«جئت لأكرمك »، كما زيدت اللام في :«لا أبا لك » توكيداً لمعنى الإضافة في :«لا أباك ».
وقال ابن عطية(٤) :«واللام في :» ليطفئوا «لام العلة مؤكدة، ودخلت على المفعول ؛ لأن التقدير :" يريدون أن يطفئوا نور الله "، وأكثر ما تلزم هذه اللام إذا تقدم المفعول، تقول : لزيد ضربت، ولرؤيتك قصدت انتهى.
وهذا ليس مذهب سيبويه(٥)، وجمهور النَّاس، ثم قول أبي محمد :" وأكثر ما يلزم " ليس بظاهر ؛ لأنه لا قول بلزومها ألبتة، بل هي جائزة للزيادة، وليس الأكثر أيضاً زيادتها جوازاً، بل الأكثر عدمها.
الثاني : أنَّها لام العلة والمفعول محذوف، أي : يريدون إبطال القرآن، أو دفع الإسلام، أو هلاك الرسول ﷺ ليطفئوا.
الثالث : أنَّها بمعنى :" أن " الناصبة، وأنها ناصبة للفعل بنفسها.
قال الفرَّاء : العرب تجعل " لام كي " في موضع :" أن "، في " أراد وأمر "، وإليه ذهب الكسائي أيضاً.
وقد تقدم نحو من هذا في قوله :﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ في سورة النساء :[ الآية : ٢٦ ].
قال ابن عباسٍ وابن زيدٍ رضي الله عنهما : المراد بنور الله - هاهنا - القرآن، يريدون إبطاله، وتكذيبه بالقول(٦). وقال السديُّ : الإسلام، أي : يريدون(٧) دفعه بالكلام(٨). وقال الضحاكُ : إنَّه محمد ﷺ يريدون إهلاكه بالأراجيف(٩). وقال ابنُ جريجٍ : حجج الله ودلائله، يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم، وقيل : إنه مثل مضروب، أي : من أراد إطفاء نور الشمس بفيه، وجده مستحيلاً ممتنعاً، كذلك من أراد إبطال الحق، حكاه ابنُ عيسى.
قال الماورديُّ(١٠) : سبب نزول هذه الآية، ما حكاه عطاء عن ابن عبَّاس- رضي الله عنهما - أنَّ النبي ﷺ أبطأ عليه الوحي أربعين يوماً، فقال كعب بن الأشرف : يا معشر اليهود، أبشروا فقد أطفأ الله نور محمد، فما كان ينزل عليه، وما كان ليتم أمره، فحزن رسول الله ﷺ، فأنزل الله هذه الآية واتصل الوحي بعدها(١١).
قوله :﴿والله مُتِمُّ نُورِهِ﴾قرأ الأخوان(١٢) وحفص وابن كثير : بإضافة :" متم "، ل :" نوره " ، والباقون : بتنوينه ونصب :" نوره " ، فالإضافة تخفيف، والتنوين هو الأصل.
وأبو حيَّان ينازع في كونه الأصل(١٣).
وقوله :﴿والله متم﴾، جملة حالية من فاعل :" يريدون "، أو " ليطفئوا " والمعنى : والله متم نوره، أي : بإظهاره في الآفاق(١٤).
فإن قيل : الإتمام لا يكون إلاَّ عند النُّقصان، فما معنى نقصان هذا النور ؟.
فالجواب(١٥) : إتمامه بحسب نقصان الأثر وهو الظُّهور في سائر البلاد من المشارق إلى المغارب، إذ الظهور لا يظهر إلا بالإظهار، وهو الإتمام، يؤيده قوله تعالى :﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾[المائدة: ٣]. وعن أبي هريرة : إن ذلك عند نزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - قاله مجاهد.
قوله :﴿وَلَوْ كَرِهَ﴾حال من هذه الحال فهما متداخلان، وجواب :«لو » محذوف، أي : أتمه وأظهره(١٦)، وكذا ﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾، والمعنى : ولو كره الكافرون من سائر الأصناف(١٧)، فإن قيل : قال أولاً :﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾، وقال ثانياً :﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾ فما الفائدة ؟.
فالجواب(١٨) : إذا أنكروا الرسول ﷺ وما أوحي إليه من الكتاب، وذلك من نعمة الله تعالى، والكافرون كلهم في كفران النعم سواء فلهذا قال :﴿ولو كره الكافرون﴾، ولأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك، فالمراد من الكافرين هنا : اليهود والنصارى والمشركون، فلفظ الكافر أليق به، وأما قوله :﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾، فذلك عند إنكارهم [ التوحيد ](١٩) وإصرارهم عليه، فالنبي ﷺ دعاهم في ابتداء الدعوة إلى التوحيد ب «لا إله إلا الله »، فلم يقولوا :«لا إله إلا الله »، فلهذا قال :﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾.
الإطفاءُ هو الإخماد، يستعملان في النار، وفيما يجري مجراها من الضياء والظهور، ويفترق الإخماد والإطفاء من حيث إن الإطفاء يستعمل في القليل، فيقال : أطفأت السراج، ولا يقال : أخمدت السراج(١).
وفي هذا اللام أوجه(٢) :
أحدها : أنَّها مزيدة في مفعول الإرادة.
قال الزمخشري(٣) : أصله ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ﴾ كما في سورة التوبة [ ٣٢ ]، وكأنَّ هذه اللام، زيدت مع فعل الإرادة توكيداً له لما فيها من معنى الإرادة في قولك : جئت لإكرامك وفي قولك :«جئت لأكرمك »، كما زيدت اللام في :«لا أبا لك » توكيداً لمعنى الإضافة في :«لا أباك ».
وقال ابن عطية(٤) :«واللام في :» ليطفئوا «لام العلة مؤكدة، ودخلت على المفعول ؛ لأن التقدير :" يريدون أن يطفئوا نور الله "، وأكثر ما تلزم هذه اللام إذا تقدم المفعول، تقول : لزيد ضربت، ولرؤيتك قصدت انتهى.
وهذا ليس مذهب سيبويه(٥)، وجمهور النَّاس، ثم قول أبي محمد :" وأكثر ما يلزم " ليس بظاهر ؛ لأنه لا قول بلزومها ألبتة، بل هي جائزة للزيادة، وليس الأكثر أيضاً زيادتها جوازاً، بل الأكثر عدمها.
الثاني : أنَّها لام العلة والمفعول محذوف، أي : يريدون إبطال القرآن، أو دفع الإسلام، أو هلاك الرسول ﷺ ليطفئوا.
الثالث : أنَّها بمعنى :" أن " الناصبة، وأنها ناصبة للفعل بنفسها.
قال الفرَّاء : العرب تجعل " لام كي " في موضع :" أن "، في " أراد وأمر "، وإليه ذهب الكسائي أيضاً.
وقد تقدم نحو من هذا في قوله :﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ في سورة النساء :[ الآية : ٢٦ ].
فصل :
قال ابن عباسٍ وابن زيدٍ رضي الله عنهما : المراد بنور الله - هاهنا - القرآن، يريدون إبطاله، وتكذيبه بالقول(٦). وقال السديُّ : الإسلام، أي : يريدون(٧) دفعه بالكلام(٨). وقال الضحاكُ : إنَّه محمد ﷺ يريدون إهلاكه بالأراجيف(٩). وقال ابنُ جريجٍ : حجج الله ودلائله، يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم، وقيل : إنه مثل مضروب، أي : من أراد إطفاء نور الشمس بفيه، وجده مستحيلاً ممتنعاً، كذلك من أراد إبطال الحق، حكاه ابنُ عيسى.
فصل في سبب نزول هذه الآية :
قال الماورديُّ(١٠) : سبب نزول هذه الآية، ما حكاه عطاء عن ابن عبَّاس- رضي الله عنهما - أنَّ النبي ﷺ أبطأ عليه الوحي أربعين يوماً، فقال كعب بن الأشرف : يا معشر اليهود، أبشروا فقد أطفأ الله نور محمد، فما كان ينزل عليه، وما كان ليتم أمره، فحزن رسول الله ﷺ، فأنزل الله هذه الآية واتصل الوحي بعدها(١١).
قوله :﴿والله مُتِمُّ نُورِهِ﴾قرأ الأخوان(١٢) وحفص وابن كثير : بإضافة :" متم "، ل :" نوره " ، والباقون : بتنوينه ونصب :" نوره " ، فالإضافة تخفيف، والتنوين هو الأصل.
وأبو حيَّان ينازع في كونه الأصل(١٣).
وقوله :﴿والله متم﴾، جملة حالية من فاعل :" يريدون "، أو " ليطفئوا " والمعنى : والله متم نوره، أي : بإظهاره في الآفاق(١٤).
فإن قيل : الإتمام لا يكون إلاَّ عند النُّقصان، فما معنى نقصان هذا النور ؟.
فالجواب(١٥) : إتمامه بحسب نقصان الأثر وهو الظُّهور في سائر البلاد من المشارق إلى المغارب، إذ الظهور لا يظهر إلا بالإظهار، وهو الإتمام، يؤيده قوله تعالى :﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾[المائدة: ٣]. وعن أبي هريرة : إن ذلك عند نزول عيسى - عليه الصلاة والسلام - قاله مجاهد.
قوله :﴿وَلَوْ كَرِهَ﴾حال من هذه الحال فهما متداخلان، وجواب :«لو » محذوف، أي : أتمه وأظهره(١٦)، وكذا ﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾، والمعنى : ولو كره الكافرون من سائر الأصناف(١٧)، فإن قيل : قال أولاً :﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾، وقال ثانياً :﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾ فما الفائدة ؟.
فالجواب(١٨) : إذا أنكروا الرسول ﷺ وما أوحي إليه من الكتاب، وذلك من نعمة الله تعالى، والكافرون كلهم في كفران النعم سواء فلهذا قال :﴿ولو كره الكافرون﴾، ولأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك، فالمراد من الكافرين هنا : اليهود والنصارى والمشركون، فلفظ الكافر أليق به، وأما قوله :﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾، فذلك عند إنكارهم [ التوحيد ](١٩) وإصرارهم عليه، فالنبي ﷺ دعاهم في ابتداء الدعوة إلى التوحيد ب «لا إله إلا الله »، فلم يقولوا :«لا إله إلا الله »، فلهذا قال :﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾.
١ السابق نفسه..
٢ ينظر: الدر المصون ٦/٣١١..
٣ ينظر: الكشاف ٤/٥٢٥..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣٠٣..
٥ ينظر: الكتاب ١/٤١..
٦ أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/٨٣) عن ابن زيد..
٧ في أ: يريدون إهلاكه..
٨ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٥٦)..
٩ ذكره الماوردي (٥/٥٣٠) والقرطبي (١٨/٥٦) عن الضحاك..
١٠ ينظر: النكت والعيون ٥/٥٣٠ والقرطبي (١٨/٥٦)..
١١ ذكره الماوردي (٥/٥٣٠) والقرطبي (١٨/٥٦) عن الضحاك..
١٢ ينظر: السبعة ٦٣٥، والحجة ٦/٢٨٩، وإعراب القراءات ٢/٣٦٤، وحجة القراءات ٧٠٧، ٧٠٨، والعنوان ١٩٠، وشرح الطيبة ٦/٥٢، وإتحاف ٢/٥٣٧..
١٣ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٦٠..
١٤ ينظر: القرطبي ١٨/٥٦..
١٥ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٧٣..
١٦ ينظر: الدر المصون ٦/٣١٢..
١٧ ينظر: القرطبي ١٨/٥٦..
١٨ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٧٤..
١٩ في أ: النور..
٢ ينظر: الدر المصون ٦/٣١١..
٣ ينظر: الكشاف ٤/٥٢٥..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣٠٣..
٥ ينظر: الكتاب ١/٤١..
٦ أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/٨٣) عن ابن زيد..
٧ في أ: يريدون إهلاكه..
٨ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٥٦)..
٩ ذكره الماوردي (٥/٥٣٠) والقرطبي (١٨/٥٦) عن الضحاك..
١٠ ينظر: النكت والعيون ٥/٥٣٠ والقرطبي (١٨/٥٦)..
١١ ذكره الماوردي (٥/٥٣٠) والقرطبي (١٨/٥٦) عن الضحاك..
١٢ ينظر: السبعة ٦٣٥، والحجة ٦/٢٨٩، وإعراب القراءات ٢/٣٦٤، وحجة القراءات ٧٠٧، ٧٠٨، والعنوان ١٩٠، وشرح الطيبة ٦/٥٢، وإتحاف ٢/٥٣٧..
١٣ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٦٠..
١٤ ينظر: القرطبي ١٨/٥٦..
١٥ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٧٣..
١٦ ينظر: الدر المصون ٦/٣١٢..
١٧ ينظر: القرطبي ١٨/٥٦..
١٨ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٧٤..
١٩ في أ: النور..