جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿سَلاَمٌ عَلَىَ إِلْ يَاسِينَ * إِنّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره : أمنة من الله لاَل ياسينين.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : سَلامٌ عَلى إلْياسِينَ فقرأته عامة قرّاء مكة والبصرة والكوفة : سَلامٌ عَلى إلْياسِينَ بكسر الآلف من إلياسين، فكان بعضهم يقول : هو اسم إلياس، ويقول : إنه كان يُسمى باسمين : إلياس، وإلياسين مثل إبراهيم، وإبراهام يُستشهد على ذلك أن ذلك كذلك بأن جميع ما في السورة من قوله : سَلامٌ فإنه سلام على النبيّ الذي ذكر دون آله، فكذلك إلياسين، إنما هو سلام على إلياس دون آله. وكان بعض أهل العربية يقول : إلياس : اسم من أسماء العبرانية، كقولهم : إسماعيل وإسحاق، والألف واللام منه، ويقول : لو جعلته عربيا من الإلس، فتجعله إفعالاً، مثل الآخراج، والإدخال أُجْرِي ويقول : قال : سلام على إلياسين، فتجعله بالنون، والعَجَمِيّ من الأسماء قد تفعل به هذا العرب، تقول : ميكال وميكائيل وميكائين، وهي في بني أسد تقول : هذا إسماعين قد جاء، وسائر العرب باللام قال : وأنشدني بعض بني نُمير لضبّ صادَهُ :
| يَقُولُ رَبّ السّوقِ لَمّا جِينا | هَذَا وَرَبّ البَيْتِ إسْرَائِينا |
*** أنا ابْنُ سَعْدٍ سَيّدٍ السّعْدِيْنَا ***
قال : وهو في الاثنين أن يضمّ أحدهما إلى صاحبه إذا كان أشهر منه اسما كقول الشاعر :
| جَزَانِي الزّهْدَمانِ جَزاءَ سَوْءٍ | وكُنتُ المَرْءَ يُجْزَى بالكرامة |
| جَزَى اللّهُ فِيها الأعْوَرَيْنِ ذَمامَةً | وَفَرْوَةَ ثَفْرَ الثّوْرَةِ المُتَضَاجِمِ |
وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة :«سَلاَمٌ عَلى آلِ ياسِينَ » بقطع آل من ياسين، فكان بعضهم يتأوّل ذلك بمعنى : سلام على آل محمد. وذُكر عن بعض القرّاء أنه كان يقرأ قوله : وَإنّ إلْياسَ بترك الهمز في إلياس ويجعل الألف واللام داخلتين على «ياس » للتعريف، ويقول : إنما كان اسمه «ياس » أدخلت عليه ألف ولام ثم يقرأ على ذلك » «سلام على الْياسين ».
والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه : سَلامٌ عَلى إلْياسِينَ بكسر ألفها على مثال إدراسين، لأن الله تعالى ذكره إنما أخبر عن كلّ موضع ذكر فيه نبيا من أنبيائه صلوات الله عليهم في هذه السورة بأن عليه سلاما لا على آله، فكذلك السلام في هذا الموضع ينبغي أن يكون على إلياس كسلامه على غيره من أنبيائه، لا على آله، على نحو ما بيّنا من معنى ذلك.
فإن ظنّ ظانّ أن إلياسين غير إلياس، فإن فيما حكينا من احتجاج من احتجّ بأن إلياسين هو إلياس غني عن الزيادة فيه، مع أن فيما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي سَلامٌ عَلى إلْياسِينَ قال : إلياس.
وفي قراءة عبد الله بن مسعود :«سَلامٌ عَلى إدْرَاسِينَ » دلالة واضحة على خطأ قول من قال : عنى بذلك سلام على آل محمد، وفساد قراءة من قرأ :«وإنّ إلياسَ » بوصل النون من «إن » بالياس، وتوجيه الألف واللام فيه إلى أنهما أدخلتا تعريفا للاسم الذي هو ياس، وذلك أن عبد الله كان يقول : إلياس هو إدريس، ويقرأ :«وَإنّ إدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ »، ثم يقرأ على ذلك :«سلامٌ عَلى إدْرَاسِينَ »، كما قرأ الآخرون : سَلامٌ عُلى إلياسِينَ، فلا وجه على ما ذكرنا من قراءة عبد الله لقراءة من قرأ ذلك :«سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ » بقطع الاَل من ياسين. ونظير تسمية إلياس بالياسين : وَشَجَرَةٌ تُخْرُجُ مِنْ طُورِ سِيناءَ، ثم قال في موضع آخر : وَطُورِ سِينِينَ وهو موضع واحد سمي بذلك.