البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وما منا﴾ : أي أحد، ﴿إلا له مقام معلوم﴾ : أي مقام في العبادة والانتهاء إلى أمر الله، مقصور عليه لا يتجاوزه.
كما روي : فمنهم راكع لا يقيم ظهره، وساجد لا يرفع رأسه، وهذا قول الملائكة، وهو يقوي قول من جعل الجنة هم الملائكة تبرؤا عن ما نسب إليهم الكفرة من كونهم بنات الله، وأخبروا عن حال عبوديتهم، وعلى أي حالة هم فيها.
وفي الحديث :« أن السماء ما فيها موضع إلا وفيه ملك ساجد أو واقف يصلي »، وعن ابن مسعود :« موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه »، وحذف المبتدإ مع من جيد فصيح، كما مر في قوله :﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنون﴾ أي وأن من أهل الكتاب أحد.
وقال العرب : منا ظعن ومنا أقام، يريد : منا فريق ظعن ومنا فريق أقام.
وقال الزمخشري : وما منا أحد إلا له مقام معلوم، حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، كقوله :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايابكفي كان من أرمي البشر
انتهى.
وليس هذا من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، لأن أحداً المحذوف مبتدأ.
وإلا له مقام معلوم خبره، ولأنه لا ينعقد كلام من قوله : وما منا أحد، فقوله :﴿إلا له مقام معلوم﴾ هو محط الفائدة.
وإن تخيل أن ﴿إلا له مقام معلوم﴾ في موضع الصفة، فقد نصوا على أن إلا لا تكون صفة إذا حذف موصوفها، وأنها فارقت غير إذا ؛ كانت صفة في ذلك، ليتمكن غيره في الوصف وقلة تمكن إلا فيه، وجعل ذلك كقوله : أنا ابن جلا، أي ابن رجل جلا ؛ وبكفي كان، أي رجل كان، وهذا عند النحويين من أقبح الضرورات.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى