البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم ذكر سبب ورودهم العذاب، فقال :
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ * ﴿وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُواْ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ * ﴿بَلْ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ * ﴿إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ﴾ * ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
يقول الحق جلّ جلاله :﴿إِنهم﴾ أي : المشركين ﴿كانوا إِذا قيلَ لهم لا إِله إِلا الله﴾ هو أعم من إذا قيل لهم : قولوها، أو : ذكرت بمحضرهم، ﴿يستكبرون﴾ أي : يتعاظمون عن قولها، أي : كانوا في الدنيا إذا سمعوا كلمة التوحيد استكبروا عنها، وأَبَوا إلا الشرك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ينبغي للمؤمن إذا سمع كلمة التوحيد، وهي " لا إله إلا الله " أن يخشع قلبه، وتهتز جوارحه، فرحاً بها، ويخضع لمَن جاء بها، ودلَّ عليها، حتى يُدخله في بحار معانيها، وهو التوحيد الخاص، أعني : توحيد أهل العيان، وهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية النبوية. قال القشيري :﴿... كانوا إِذا قيل لا إِله إِلا الله يستكبرون...﴾ الخ. احتجابُهم بقلوبهم أوقعهمْ في وهْدة عذابهم، وذلك أنهم استكبروا عن الإقرار بربوبيته، ولو عرفوا لافتخروا بعبوديته ؛ قال تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقال :﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للهِ...﴾ [النساء: ١٧٣]، فمَن عرف الله فلا لذة له إلا في طاعته وعبوديته، قال قائلهم :
ويظهرُ في الورى عزُّ المواليفيلزمني له ذُلُّ العبيد
ولمَّا لم يحتشموا من وصفه ـ سبحانه ـ بما لا يليق بجلاله، لم يُبالوا بها أطلقوا من المثالب في جانب أنبيائه. هـ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى