مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
أما قوله :﴿إني سقيم﴾ فمعناه سأسقم كقوله :﴿إنك ميت﴾ أي ستموت الوجه الثالث : أن قوله :﴿فنظر نظرة في النجوم﴾ هو قوله تعالى :﴿فلما جن عليه الليل رأى كوكبا﴾ إلى آخر الآيات وكان ذلك النظر لأجل أن يتعرف أحوال هذه الكواكب هل هي قديمة أو محدثة، وقوله :﴿إني سقيم﴾ يعني سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ الوجه الرابع : قال ابن زيد كان له نجم مخصوص، وكلما طلع على صفة مخصوصة مرض إبراهيم ولأجل هذا الاستقراء لما رآه في ذلك الوقت طالعا على تلك الصفة المخصوصة قال :﴿إني سقيم﴾ أي هذا السقم واقع لا محالة الوجه الخامس : أن قوله :﴿إني سقيم﴾ أي مريض القلب بسبب إطباق ذلك الجمع العظيم على الكفر والشرك، قال تعالى لمحمد ﷺ :
﴿لعلك باخع نفسك﴾ الوجه السادس : في الجواب أنا لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بمقايستها حرام، لأن من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بقوة وبخاصية لأجلها يظهر منه أثر مخصوص، فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل. وأما الكذب فغير لازم لأنه ذكر قوله :﴿إني سقيم﴾ على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة، إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم. الوجه السابع : قال بعضهم ذلك القول عن إبراهيم عليه السلام كذبة ورووا فيه حديثا عن النبي ﷺ أنه قال :« ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات » قلت لبعضهم هذا الحديث لا ينبغي أن يقبل لأن نسبة الكذب إلى إبراهيم لا تجوز فقال ذلك الرجل فكيف يحكم بكذب الرواة العدول ؟ فقلت لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبته إلى الخليل عليه السلام كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى، ثم نقول لم لا يجوز أن يكون المراد بكونه كذبا خبرا شبيها بالكذب ؟ والوجه الثامن : أن المراد من قوله ﴿فنظر نظرة في النجوم﴾ أي نظر في نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم، فإن الأشياء التي تحدث قطعة قطعة يقال إنها منجمة أي متفرقة ومنه نجوم الكتابة، والمعنى أنه لما سمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها كي يستخرج منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر لنفسه في التخلف عنهم فلم يجد عذرا أحسن من قوله :﴿إني سقيم﴾ والمراد أنه لا بد من أن أصير سقيما كما تقول لمن رأيته على أوقات السفر إنك مسافر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى