الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي
عن الكتاب
وقوله :﴿إِنّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّى﴾ الآية، قالتْ فرقة : كان قولُهُ هذا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النَّارِ، وأنَّه أَشَارَ بِذَهَابِهِ إلى هِجْرَتِهِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ ؛ حَيْثُ كَانَتْ مملكةُ نُمْرُودَ، فَخَرَجَ إلى الشَّامِ، وقالت فِرْقَةٌ : قال هذه المقالةَ قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ فِي النَّارِ ؛ وإنما أراد لِقَاءَ اللَّهِ ؛ لأنَّه ظَنَّ أنَّ النَّارَ سَيَمُوتُ فِيها، وقال :﴿سَيَهْدِينِ﴾ أي : إلى الجَنَّةِ ؛ نَحَا إلى هذَا المعنى قتادةُ، قال ( ع ) : وللعارفينَ بهذَا الذَّهَابِ تَمَسُّكٌ واحْتِجَاجٌ في الصَّفَاءِ، وهُو مَحْمَلٌ حَسَنٌ في ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ﴾ وحْدَهُ، والتأويلُ الأولُ أظْهِرَ في نَمَطِ الآيةِ، بما يأتي بَعْدُ ؛ لأنَّ الهدايةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ، والدُّعَاءُ في الوَلَدِ كذلك، ولاَ يَصِحُّ مَعَ ذَهَابِ المَوْتِ، وباقي الآيةِ تَقَدَّمَ قَصَصُهَا، وأَنَّ الراجحَ أنَّ الذَّبِيحَ هُوَ إسْمَاعِيلُ، وذَكَرَ الطبريُّ أنَّ ابن عباس قال : الذبيحُ، إِسماعيل، وتَزْعُمُ اليهودُ أنَّهُ إسْحَاقُ، وكَذَبَتِ اليهُودُ، وذُكِرَ أيضاً أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العزيزِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَجُلاً يهوديًّا كانَ أسْلَمَ وحَسُنَ إسلامُه، فَقَال : الذَّبِيحُ هُوَ إسْمَاعِيلُ، وإن اليهودَ لَتَعْلَمُ ذلكَ، ولكنهمْ يَحْسُدُونَكُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ : أنْ تَكُونَ هذه الآيَاتُ وَالْفَضْلُ وَاللَّهِ في أَبِيكُمْ.