جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿وَقَالُوَاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبّهِمْ كَافِرُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : وقال المشركون بالله، المكذّبون بالبعث : أئِذَا ضَلَلْنا في الأرْض أي صارت لحومنا وعظامنا ترابا في الأرض وفيها لغتان : ضَلَلْنا، وضَلِلْنا، بفتح اللام وكسرها والقراءة على فتحها، وهي الجوداء، وبها نقرأ. وذكر عن الحسن أنه كان يقرأ :«أئِذَا صَلَلْنا » بالصاد، بمعنى : أنتنا، من قولهم : صلّ اللحم وأصلّ : إذا أنتن. وإنما عنى هؤلاء المشركون بقولهم : أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ أي إذا هلكت أجسادنا في الأرض، لأن كلّ شيء غلب عليه غيره حتى خفي فيما غلب، فإنه قد ضلّ فيه، تقول العرب : قد ضلّ الماء في اللبن : إذا غلب عليه حتى لا يتبين فيه ومنه قول الأخطل لجرير :
| كُنْتَ القَذَى في مَوْج أكْدَرَ مُزْبدٍ | قَذَفَ الأَتِيّ به فَضَلّ ضَلالاَ |
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ يقول : أئذا هلكنا.
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ هلكنا.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد : قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ يقول : أئذا كنا عظاما ورفاتا أنبعث خلقا جديدا ؟ يكفرون بالبعث.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، وَقالُوا أئِذَا ضلَلْنا في الأرْض أئِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ قال : قالوا : أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ؟.
وقوله : بَلْ هُمْ بِلِقاء رَبّهِمْ كافِرُونَ يقول تعالى ذكره : ما بهؤلاء المشركين جحود قدرة الله على ما يشاء، بل هم بلقاء ربهم كافرون، حذرا لعقابه، وخوف مجازاته إياهم على معصيتهم إياه، فهم من أجل ذلك يجحدون لقاء ربهم في المعاد.