فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب﴾ أي التوراة ﴿فَلاَ تَكُن﴾ يا محمد ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ أي شك، وريبة ﴿مّن لّقَائِهِ﴾ قال الواحدي : قال المفسرون : وعد رسول الله ﷺ أنه سيلقى موسى قبل أن يموت، ثم لقيه في السماء أو في بيت المقدس حين أسري به. وهذا قول مجاهد والكلبي والسديّ. وقيل : فلا تكن في شك من لقاء موسى في القيامة وستلقاه فيها. وقيل : فلا تكن في شك من لقاء موسى للكتاب. قاله الزجاج. وقال الحسن : إن معناه : ولقد آتينا موسى الكتاب فكذّب وأوذي، فلا تكن في شك من أنه سيلقاك ما لقيه من التكذيب والأذى، فيكون الضمير في لقائه على هذا عائداً على محذوف، والمعنى : من لقاء ما لاقى موسى. قال النحاس : وهذا قول غريب. وقيل : في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم، فلا تكن في مرية من لقائه، فجاء معترضاً بين ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب﴾ وبين ﴿وجعلناه هُدًى لّبَنِي إسراءيل﴾ وقيل : الضمير راجع إلى الكتاب الذي هو الفرقان كقوله :﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان﴾ [النمل: ٦] والمعنى : أنا آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ونظيره، وما أبعد هذا، ولعلّ الحامل لقائله عليه قوله :﴿وجعلناه هُدًى لّبَنِي إسراءيل﴾ فإن الضمير راجع إلى الكتاب. وقيل : إن الضمير في ﴿لقائه﴾ عائد إلى الرجوع المفهوم من قوله :﴿ثُمَّ إلى رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي لا تكن في مرية من لقاء الرجوع، وهذا بعيد أيضاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس قال : قال النبي ﷺ :«رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلاً طويلاً جعداً كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكاً خازن جهنم والدجال في آيات أراهنّ الله إياه» قال :﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَائِهِ﴾ فكان قتادة يفسرها : أن النبي ﷺ قد لقي موسى ﴿وجعلناه هُدًى لّبَنِي إسراءيل﴾ قال : جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل.
وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند، قال السيوطي : صحيح عن ابن عباس عن النبي ﷺ :﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَائِهِ﴾ قال :«من لقاء موسى»، قيل : أو لقي موسى ؟ قال : نعم، ألا ترى إلى قوله :﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا﴾ [الزخرف: ٤٥]. وأخرج الفريابي، وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الماء إِلَى الأرض الجرز﴾ قال : الجرز التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً إلا ما يأتيها من السيول. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿إِلَى الأرض الجرز﴾ قال : أرض باليمن. قال القرطبي في تفسيره : والإسناد عن ابن عباس صحيح لا مطعن فيه. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله :﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح إِن كُنتُمْ صادقين﴾ قال : يوم بدر فتح للنبي ﷺ فلم ينفع الذين كفروا إيمانهم بعد الموت.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى