التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
تفسير سورة الشمس (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

١ - ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ هذه الآية، والتي بعدها أقسام كلها إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ وهو جواب القسم.
قال الزجاج: المعنى لقد أفلح، ولكن اللام حذفت، لأن الكلام طال فصَار طوله عوضًا منها (٢).
وأما تفسير: "ضحاها".
فقال الليث: الضَحْو ارتفاع النهار، والضُّحَى فُوَيْقَ ذلك، والضُحَاءُ (٣)
(١) مكية بقول الجميع.
انظر: "تفسير مقاتل" ٢٤٠ أ، و"جامع البيان" ٣٠/ ٢٠٧، و"بحر العلوم" ٣/ ٤٨٢، و"الكشف والبيان" ١٣/ ٩٩ ب، و"الكشاف" ٤/ ٢١٤، و"زاد المسير" ٨/ ٢٥٦، "الجامع لأحكام القرآن" ٢٠/ ٧٢ وغيرها.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٣٣١.
(٣) في (أ): (الضحى).
ممدود إذا امتد النهار، وكَرَبَ (١) أن ينتصف (٢).
وقال أبو الهيثم: الضُحى: على فُعَل حين تطلع الشمس، فيصفو ضَوْؤهَا (٣).
وذكر المفسرون في "ضحاها" ثلاثة أقوال: قال مجاهد: ضوؤها (٤)، (وهو قول الكلبي (٥)) (٦)، وقال قتادة: هو النهار كله (٧)، وهو اختيار الفراء (٨)، وابن قتيبة (٩).
وذكر أبو إسحاق القولين (١٠)، والقول الثالث مَا ذكره مقاتل قال:
(١) كرب: أي كاد. مختار "الصحاح" ٥٦٦، مادة: (كرب).
(٢) "تهذيب اللغة" ٥/ ١٥٠ (ضحا) بنصه.
(٣) المرجع السابق ٥/ ١٥١، ١٥٢ (ضحا).
(٤) "جامع البيان" ٣٠/ ٢٠٨، "الكشف والبيان" ١٣/ ٩٩ ب، "معالم التنزيل" ٤/ ٤٩١، "المحرر الوجيز" ٥/ ٤٨٧ بمعناه، "زاد المسير" ٨/ ٢٥٦، "التفسير الكبير" ٣١/ ١٩٠، "الجامع لأحكام القرآن" ٢٠/ ٧٢، "البحر المحيط" ٨/ ٤٧٨ بمعناه، "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٥٥٠، "فتح القدير" ٥/ ٤٤٨.
(٥) "معالم التنزيل" ٤/ ٤٩١، "التفسير الكبير" ٣١/ ١٩٠، "فتح القدير" ٥/ ٤٢٨.
(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٧) "جامع البيان" ٣٠/ ٢٠٧، "الكشف والبيان" ١٣/ ٩٩ ب، "النكت والعيون" ٦/ ٢٨١، "معالم التنزيل" ٤/ ٤٩١، "المحرر الوجيز" ٥/ ٤٨٧، "زاد المسير" ٨/ ٢٥٦، "التفسير الكبير" ٣١/ ١٩٠، "البحر المحيط" ٨/ ٤٧٨، "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٥٥٠.
(٨) "معاني القرآن" ٣/ ٢٦٦.
(٩) "تفسير غريب القرآن" ص ٥٢٩.
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٣٣١.
أقسم الله بالشمس وحرها (١)، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (٢).
قال المبرد: أصله فيما يقول النحويون من الضح، هو نور الشمس، والألف مقلوبة عن الحاء الثانية، يقال (٣): ضحو وضحوات، وضحى (٤)، فعلي ما ذكر "الواو" في ضحوة مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف مقلوبة عن "الواو".
وقال (٥) أبو الهيثم: الضَّحُّ (٦) نقيض الظل، وهو نور الشمس على وجه الأرض، قال: وأصله الضّحْىُ فاستثقلوا "الياء" مع سكون الحاء فثقّلوها.
وقالوا: ضحّ. ومثله العبد: القِن أصله من القِنية (٧)، وهذا ضد مَا
(١) "تفسير مقاتل" ٢٤١ أ، "الكشف والبيان" ١٣/ ٩٩ ب، "معالم التنزيل" ٤/ ٤٩١، "المحرر الوجيز" ٥/ ٤٨٧، "زاد المسير" ٨/ ٢٥٦، "التفسير الكبير" ٣١/ ١٩٠، "لباب التأويل" ٤/ ٣٨١، "البحر المحيط" ٨/ ٤٧٨، "روح المعاني" ٣٠/ ١٤٠، وكلها برواية: حرها.
وقد ضعف الفخر هذا القول بحرها "التفسير الكبير" ٣١/ ١٩٠.
(٢) ورد معنى قوله من ذكر طريق عطاء في: "الجامع لأحكام القرآن" ٢٠/ ٧٢.
(٣) في (ع): (يقول).
(٤) لم أعثر على نص المبرد فيما بين يدي من كتبه. وقد ورد قوله في: "الجامع لأحكام القرآن" ٢٠/ ٧٣، و"البحر المحيط" ٨/ ٤٧٨، و"الدر المصون" للسمين الحلبي ٦/ ٥٢٨، وقال أبو حيان معقبًا على ما قاله المبرد: لعله مختلف عليه؛ لأن المبرد أجل من أن يذهب إلى هذا، وهذان مادتان مختلفتان، لا تشتق إحداهما من الأخرى. ٨/ ٤٧٨، وانظر: "الدر المصون" ٦/ ٥٢٨.
(٥) في (ع): (قال).
(٦) في (أ): (الصحيح).
(٧) ورد قوله في "تهذيب اللغة" ٣٩٨/ ٣ (ضح)، وانظر أيضًا: "التفسير الكبير" ٣١/ ١٩٠، و"الجامع لأحكام القرآن" ٢٠/ ٧٣.
ذَكَره المبرد، وكيف ما كان الأمر سواء جعلت الضحى من الضح، أو الضح من الضحى، فالضحى في الأصل على ما ذكرا: ضوء الشمس ونورها، ثم سمي (به) (١) الوقت الذي تشرق فيه الشمس، فمن قال من المفسرين: وضحاها ضوؤها، فهو على الأصل.
وكذلك من قال: النهار كله، لأن جميع النهار هو من نور الشمس وإشراقه، ألا ترى أنه إذا فقد نور الشمس [اسود النهار] (٢).
ومن قال في الضحى: إنه حر الشمس؛ فلأن نورها شيئان: ضياء، وحرارة، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، وهذا أضعف الأقوال، وإن كان له وجه (٣).
والقراء مختلفون في فواصل هذه السورة، وما أشبهها نحو ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]، ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ٢].
فقرؤوا (٤) بالإماله (٥) والتفخيم (٦)
(١) ساقط من (أ).
(٢) يوجد سقط في الكلام. قلت ولعل ما أثبته هو المراد. والله أعلم.
(٣) من قوله: (فمن قال من المفسرين...) إلى: (وإن كان له وجه) نقله الفخر في: "التفسير الكبير" ٣١/ ١٩٠.
(٤) في (أ): (فقرأوا).
(٥) إن العلل التي توجب الإمالة، ثلاث، وهي: الكسرة، وما أميل ليدل على أصله، والإمالة للإمالة.
ولتفصيله يراجع ذلك في: "المبسوط" ١٠٣، ١١٠، و"الكشف" ١/ ١٧٠، ١٧٩، ج ٢/ ٣٧٨.
(٦) قرأ حمزة: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ كسرًا، ويفتح: "تلاها" وطحاها. وفي سورة الضحى: (سجى)، وفي النازعات: ﴿دَحَاهَا﴾ هو ويكسر سائر ذلك. وقرأ نافع، وأبو عمرو ذلك كله بين الفتح والكسر. =
وبعضها بالإمالة (١) وبعضها بالتفخيم (٢).
قال الفراء: تكسر ضحاها (٣)، والآيات التي بعدها، وإن كان أصل بعضها "الواو".
ونحو: ﴿تَلَاهَا﴾، و ﴿ضُحَاهَا﴾، و ﴿دَحَاهَا﴾ (٤) [لنازعات: ٣٠]، لما ابتدئت السورة بحرف "الياء" أتبعها ما هو من "الواو"، ولو كان الابتداء "للواو"، لجاز فتح ذلك كله قال: وكان حمزة يفتح ما كان من "الواو"، ويكسر ما كان من "الياء"، وذلك من قلة البصر بمجاري الكلام، فإذا انفرد جنس "الواو" فتحته، وإذا انفرد جنس "الياء" فأنت فيه بالخيار: إن فتحت وإن كسرت فصواب (٥). انتهى كلامه.
وقال أبو إسحاق: من كسر من هذه الحروف مَا كان من ذوات "الياء" أراد الدلالة على أنه من ذوات الياء، ومن فتح: "تلاها"، و"طحاها" فلأنه من ذوات "الواو"، ومن كسر، فلأن ذوات "الواو"، كلها إذا رُدَّ إلى مَا لم يُسَمَّ فاعِله (٦) انتقل إلى "الياء" نحو "تُلِىَ" و"دُحِىَ"، و"طُحِىَ" (٧).
= انظر: "كتاب السبعة في القراءات" ص ٦٨٨، و"القراءات وعلل النحويين فيها" ٢/ ٧٧٩، و"الحجة" ٦/ ٤١٨.
(١) قر الكسائي بالكسر في ذلك كله. المراجع السابقة.
(٢) قرأ ابن كثير، وعاصم، وابن عامر بفتح أواخر آي هذه السورة، والليل، والضحى. المراجع السابقة.
(٣) (وضحها) في كلا النسختين.
(٤) في (أ): (دحيها).
(٥) "معاني القرآن" ٣/ ٢٦٦ بيسير من التصرف.
(٦) أي المبني للمجهول.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٣٣١ بتصرف.
وقال أبو علي الفارسي: وجه قول من ترك الإمالة في هذه الحروف أن كثيرًا من العرب لا يميلون هذه الألفات، ولا ينحون فيها نحو "الياء"، ويقوى ترك الإمَالة للألف أن "الواو" في "مؤسى" منقلبة عن "الياء"، و"الياء" في ميقات، وميزان منقلبة عن الواو، ولم يلزم شيئًا من ذلك ما يدل على ما انقلب عنه، فكذلك الألف (ينبغي أن تترك غير ممالة، ولا متنحى بها نحو"الياء"، وكذلك الألف) (١) في آدم وآخر منقلبة عن "الهمزة"، ولم يلزم ما يدل على أنه من الهمزة، وأما من أمَال فإنه نحا بها نحو الكسرة ليدل على ما انقلبت عنه، ويدلك على أنه لهذا المعنى أميلت أن ما لم يكن منقلبًا نحو الألفات في الحروف لم يمل، وأما فصل حمزة بين هذه الحروف بالإمالة في بعضها، وتركها في بعضها فحسن، وذلك أن الألف إنما (تمال نحو الياء لتدل على الياء إذا كان انقلابها [عن] (٢) الياء ولم يكن في "تلاها"، و"طحاها"، و"دحاها"، ألف منقلبة عن الياء؛ إنما) (٣) هي منقلبة عن "الواو" بدلالة "تلوت"، و"دحوت".
وأما من لم يفصل بينهم؛ كأبي عمرو، والكسائي فإنما لم يفصلا؛ لأن الألف المنقلبة عن "الواو" قد توافق المنقلبة عن "الياء"، ألا ترى أن تلوت وطحوت ونحوها قد يجوز في أفعالها وهي على العدة التي هي عليها أن تنقلب إلى "الياء" نحو "تلى" إذ بني الفعل للمفعول، (فلما وافقت في هذا ما كان الياء استجازوا إمالته) (٤) كما استجازوا إمالة ما كان من "الياء"،
(١) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢) في كلا النسختين (على). وأثبت ما رأيته أنسب للمقال.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).
ومع ذلك فإن "الياء" تقلب عن (١) "الواو" (٢) ألا ترى أنها إذا كانت رابعة في الفعل لزم البدل بـ"الياء" نحو "اغزيت"، وكذلك إذا كان في اسم نحو "المغزى"، و"المدعى"، ثني (٣) بـ"الياء"، وكذلك في نحو "مَسْنِي"، و"معدي" تقلب إلى "الياء"، ولا تجد "الياء" تقلب إلى "الواو" في (٤) هذا (٥) النحو، فلما كانت هذه في حكم الانقلاب عن "الياء" أجْرَوُا الألف مجرى الألف المنقلبة عن الياء، ويدل على أنهم لهذا (المعنى) (٦) استجازوا الإمالة في باب "دحا"، و"طحا"، و"تلا"، و"سجا"، إن ما كان من الأسماء ألفُهُ منقلبة عن الواو، ونحو (٧) "العصا، والقضاء (٨) لم يجيزوا فيه الإمالة لما لم تكن تنقلب واوها إلى "الياء" كما انقلبت إليها في الفعل.
وأما من فتح "تلا" وأمال غيرها، كما رُوي عن نافع فقوله حسن، لأخذه بشيئين كل واحد منهما مسموع مأخوذٌ به، فأخذ بأحدهما مرة،
(١) في (ع): (على).
(٢) من قوله: لا يميلون هذه الألفات.. إلى قوله: بأن الياء تقلب عن الواو، لم أجده في "الحجة"، وقد ذكر في حاشية "الحجة" أن هناك سقطًا في الأصل الخطي وقع في تتابع الصفحات: ٦/ ٤١٩.
قلت: ولعله يكون ما نص هنا ما بين القوسين هو من الساقط في الكلام، وذلك لأن الكلام الذي يسبق ما كان بين القوسين، والذي يليه ذكر في "الحجة"، والله أعلم.
(٣) في (أ): (ثنا).
(٤) في (أ): (وفي).
(٥) ورد في نسخة الألف عبارة: (نحو المغزا والمدعا)، وهو مكرر في الكلام، وليس هنا موضعه.
(٦) ساقط من (أ).
(٧) في (أ): (نحو) بغير واو.
(٨) في (ع): (العطا).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى