تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( فإن من العسر يسرا ) أي : مع العسر يسرا. في التفسير أن المشركين عيروا النبي وأصحابه، وقالوا : لو شئت جمعنا لك شيئا من المال لترجع عن هذا القول، فأكربه ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. والمعنى : إن مع الفقر غنى، ومع الضيق سعة، وإن مع الحزونة سهولة، ومع الشدة رخاء. وقد حقق الله ذلك في الدنيا بما فتح على النبي - عليه الصلاة والسلام - وعلى أصحابه، فإن الله تعالى فتح للنبي الحجاز، وتهامة، وما والاها، وعامة بلاد اليمن، وكثيرا من البوادي إلى [ قريب ](١) من العراق والشام، وفتح على أصحابه ما فتح وأغنمهم كنوز كسرى وقيصر، وقد صار حال النبي في آخر أمره أنه كان يهب المائين من الإبل، والألوف من الغنم، ويدخر لعياله قوت سنة، فهذا الذي ذكرناه هو معنى الآية. وقد روى معمر ( عن أيوب )(٢) عن الحسن " أن النبي خرج يوما مسرورا إلى أصحابه وقال : أبشروا لن يغلب عسر يسرين، ثم قرأ قوله تعالى :( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا )(٣) قال رضي الله عنه : أخبرنا بهذا الحديث أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد، أخبرنا سهل بن عبد الصمد بن عبد الرحمن البراز أخبرنا العذافري، أخبرنا الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر. . . الحديث.
فإن قال قائل : ما معنى قوله : لن يغلب عسر يسرين، وقد كرر كلاهما ؟ والجواب عنه : أن الفراء ذكر أن النكرة إذا كررت نكرة، فالثاني غير الأول، والنكرة إذا أعيدت معرفة فالثاني هو الأول تقول العرب : كسبت اليوم درهما، وأنفقت الدرهم. فالثاني هو الأول. ونقول : وعلى معنى هذا ورد قوله تعالى :( كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول )(٤) وعن ابن مسعود قال : لو دخل العسر في جحر لتبعه اليسر حتى يستخرجه. وفي معنى اليسرين قولان : أحدهما : يسر الدنيا، والآخر يسر الآخرة، فعلى هذا معنى الخبر، إن غلب العسر يسر الدنيا، فلا يغلب يسر الآخرة. والقول الثاني : أن اليسر الأول هو للرسول، واليسر الثاني لأصحابه. قال رضي الله عنه : أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن عبد العزيز الجنوجردي قال : أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي الحسن بن محمد النيسابوري قال : سمعت محمد بن عامر البغدادي قال : سمعت عبد العزيز بن يحيى قال : سمعت عمر قال العتبي : يقول : كنت ذات ليلة في البادية، فألقي في روعي بيت من شعر، فقلت :
أرى الموت لمن أصبح *** مغموما أروح
فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف من الهواء :
ألا أيها المرء الذي *** الهم به يبرح
وقد أنشد بيتا *** لم يزل في فكره يسنح
إذا اشتدت بك العسرىففكر في ألم نشرح
فعسر بين يسرينإذا أبصرته فافرح
قال : فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي.
قال رضي الله عنه : وأنشدنا أبو بكر قال : أنشدنا أبو إسحاق قال أنشدنا الحسن بن محمد بن الحسن قال : أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الحيري قال : أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي :
( فلا تيأس وإن أعسرت يومافقد أيسرت في دهر طويل )
( ولا تظنن بربك ظن سوءفإن الله أولى بالجميل )
( وإن العسر يتبعه يساروقول الله أصدق كل قيل )
قال رضي الله عنه : وأنشدنا أبو بكر قال : أنشدنا أبو إسحاق قال : أنشدنا الحسن قال : أنشدنا الحسن بن محمد قال : أنشدني محمد بن سليمان بن معاذ ( الكرخي )(٥) قال أنشدنا أبو بكر بن الأنباري :
( إذا بلغ العسر مجهودهفثق عند ذاك بيسر سريع )
( ألم تر نحس الشتاء النطيعيتلوه سعد الربيع البديع )
قال رضي الله عنه : وأنشدنا أبو بكر، أنشدنا أبو إسحاق، أنشدني عيسى بن زيد الطفيلي أنشدني سليمان بن أحمد الرقي :
( توقع إذا ما عدتك الخطوبسرورا يسردها عندك فسرا )
( ترى الله يخلف ميعادهوقد قال إن مع العسر يسرا )
١ - في ((الأصل، ك)). فريبا..
٢ - ليست في ((ك))..
٣ - رواه بن جرير ( ٣٠ /١٥١ ) و الحاكم ( ٢ /٥٢٨) عن الحسن مرسلا، وزاد السبوطي في الدر ( ٦ /٤٠٧) عبد بن حمبد، و بن مرودية..
٤ - المزمل : ١٥-١٦..
٥ - في((ك)) : الكوفي..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى