غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
ثم إنهم كانوا يعيرون رسول الله ﷺ بالفقر فقيل له : لا يحزنك قولهم ﴿فإن مع العسر يسراً﴾ أي بعد العسر الذي أنتم فيه يسر وأي يسر جعل الزمان القريب كالمتصل والمقارن زيادة في التسلية وقوة الرجاء. روى مقاتل عن النبي ﷺ أنه خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول : لن يغلب عسر يسرين. فقال الفراء والزجاج : العسر مذكور بالألف واللام وليس هناك معهود سابق فينصرف إلى الحقيقة فيكون المراد بالعسر في الموضعين شيئاً واحداً، وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير فكان أحدهما غير الآخر، وزيفه الجرجاني بأنه من المعلوم أن القائل إذا قال : إنّ مع الفارس سيفاً إن مع الفارس سيفاً. لم يلزم منه أن يكون هناك فارس واحد معه سيفان. وأقول : إذا كان المراد بالعسر الجنس لا العهد لزم اتحاد العسر في الصورتين. وأما اليسر فمنكر فإن حمل الكلام الثاني على التكرار مثل ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾
[الرحمن: ١٣] ونحوه كان اليسران واحداً. وإن حمل على أنه جملة مستأنفة لزم أن يكون اليسر الثاني غير الأول وإلا كان تكراراً والمفروض خلافه. وإن كان المراد العسر المعهود فإن كان المعهود واحداً وكان الثاني تكراراً كان اليسران أيضاً واحداً، وإن كان مستأنفاً كانا اثنين وإلا لزم خلاف المفروض، وإن كان المعهود اثنين فالظاهر اختلاف اليسرين وإلا لزم أو حسن أن يعاد اليسر الثاني معرفاً بلام العهد فهو واحد والكلام الثاني تكرير للأول لتقريره في النفوس، إلا أنه يحسن أن يجعل اليسر فيه مغايراً للأول لعدم لام العهد. ولعل هذا معنى الحديث إن ثبت والله أعلم ورسوله. وإذا عرفت هذه الاحتمالات فإن لم يثبت صحة الحديث أمكن حمل الآية على جميعها، وإن ثبت صحته وجب حملها على وجه يلزم منه اتحاد العسر واختلاف اليسر. وحينئذ يكون فيه قوة الرجاء ومزيد الاستظهار برحمة الكريم. وأما اليسران على تقدير اختلافهما فقيل : يسر الدنيا ويسر الآخرة أي إن مع العسر الذي أنتم فيه يسر العاجل، إن مع العسر الذي أنتم فيه يسر الآجل. وقيل : ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله ﷺ ثم في أيام الخلفاء الراشدين، والأظهر الجنس ليكون وعداً عاماً لجميع المكلفين في كل عصر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الوقوف ﴿صدرك﴾ ه لا ﴿وزرك﴾ ه لا ﴿ظهرك﴾ ه لا ﴿ذكرك﴾ ﴿يسراً﴾ ه ط ﴿فانصب﴾ ه لا ﴿فارغب﴾ ه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى