زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ ضم سين ﴿العُسر﴾ وسين ﴿اليسر﴾ أبو جعفر. و﴿العسر﴾ مذكور في الآيتين بلفظ التعريف. و﴿اليسر﴾ مذكور بلفظ التنكير، فدل على أن العسر واحد، واليسر اثنان : قال ابن مسعود، وابن عباس في هذه الآية : لن يغلب عسر يسرين. قال الفراء : العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة صارت اثنتين، كقولك : إذا كسبت درهما فأنفق درهما، فالثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة، فهي كقولك : إذا كسبت درهما فأنفق الدرهم، فالثاني هو الأول. ونحو هذا قال الزجاج : ذكر العسر بالألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى : إن مع العسر يسرين. وقال الحسين بن يحيى الجرجاني ويقال له : صاحب النظم معنى الكلام : لا يحزنك ما يعيرك به المشركون من الفقر ﴿فإن مع العسر يسرا﴾ عاجلا في الدنيا، فأنجزه بما وعده، بما فتح عليه، ثم ابتدأ فصلا آخر فقال :﴿إن مع العسر يسرا﴾ والدليل على ابتدائه تعريه من الفاء والواو، وهو وعد لجميع المؤمنين أن مع عسر المؤمنين يسرا في الآخرة، فمعنى قولهم : لن يغلب عسر يسرين : لن يغلب عسر الدنيا اليسر الذي وعده الله المؤمنين في الدنيا، فاليسر الذي وعدهم في الآخرة.
إنما يغلب أحدهما، وهو يسر الدنيا. فأما يسر الآخرة، فدائم لا ينقطع، كقوله ﷺ :( شهرا عيد لا ينقصان )، أي : لا يجتمعان في النقص. وحكي عن العتبي قال : كنت ذات ليلة في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت من الشعر، فقلت :
فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف :
فحفظت الأبيات وفرج الله غمي.
إنما يغلب أحدهما، وهو يسر الدنيا. فأما يسر الآخرة، فدائم لا ينقطع، كقوله ﷺ :( شهرا عيد لا ينقصان )، أي : لا يجتمعان في النقص. وحكي عن العتبي قال : كنت ذات ليلة في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت من الشعر، فقلت :
| أرى الموت لمن أصب | ح مغموما له أروح |
| ألا يا أيها المرء ال | لذي الهم به برح |
| وقد أنشد بيتا لم | يزل في فكره يسنح |
| إذا اشتد بك العسر | ففكر في " ألم نشرح " |
| فعسر بين يسرين | إذا أبصرته فافرح |