التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وبعد هذا التعديد لتلك النعم العظيمة، أمر الله - تعالى - نبيه ﷺ بالاجتهاد فى العبادة فقال - تعالى - :﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب وإلى رَبِّكَ فارغب﴾.
وأصل الفراغ خول الإِناء مما بداخله من طعام أو غيره، والمراد به هنا الخلو من الأعمال التى تشغل الإِنسان، والنصب : التعب والاجتهاد فى تحصيل المطلوب.
أى : فإذا فرغت - أيها الرسول الكريم - من عمل من الأعمال، فاجتهد فى مزاولة عمل آخر من الأعمال التى تقربك من الله - تعالى -، كالصلاة، والتهجد، وقراءة القرآن الكريم.
واجعل رغبتك فى جميع أعمالك وعباداتك، من أجل إرضاء ربك، لا من أجل شيء آخر، فهو وحده القادر على إبلاغك ما تريد، وتحقيق آمالك.
فالمقصود بهاتين الآيتين حثه ﷺ وحث أتباعه فى شخصه على استدامة العمل الصالح، وعدم الانقطاع عنه، مع إخلاص النية لله - تعالى - فإن المواظبة على الأعمال الصالحة مع الإخلاص فيها، تؤدى إلى السعادة التى ليس بعدها سعادة.
ولقد استجاب ﷺ لهذا الإِرشاد الحكيم، " فقد قام الليل حتى تورمت قدماه، وعندما سئل ما كل هذه العبادة، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك ؟ قال : " أفلا أكون عبدا شكورا ".
وسار أصحابه من بعده على هذا الهدى القويم : فعمروا حياتهم بالباقيات الصالحات من الأعمال، دون أن يكون للفراغ السيء مكان فى حياتهم، بل واصلوا الجهاد بالجهاد، وأعمال البر بمثلها.
ومن أقوال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - : إنى لأكره لأحدكم أن يكون خاليا، لا فى عمل دنيا ولا دين ".
وفى رواية أنه قال : " إنى لأنظر إلى الرجل فيعجبني، فإذا قيل : إنه لا عمل له سقط من عينى ".
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا ممن يعمرون أوقاتهم بالأعمال الصالحة، والخالصة لوجهه الكريم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى