مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿فإذا فرغت فانصب﴾ وجه تعلق هذا بما قبله أنه تعالى لما عدد عليه نعمه السالفة، ووعدهم بالنعم الآتية، لا جرم بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة، فقال :﴿فإذا فرغت فانصب﴾ أي فاتعب يقال : نصب ينصب، قال قتادة والضحاك ومقاتل : إذا فرغت من الصلاة المكتوبة ﴿فانصب﴾ إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسألة يعطك، وقال الشعبي : إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك، وقال مجاهد : إذا فرغت من أمر دنياك فانصب وصل، وقال عبد الله : إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل، وقال الحسن : إذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة، وقال علي بن أبي طلحة : إذا كنت صحيحا فانصب، يعني اجعل فراغك نصبا في العبادة يدل عليه ما روي أن شريحا مر برجلين يتصارعان، فقال : الفارغ ما أمر بهذا إنما قال الله :﴿فإذا فرغت فانصب﴾ وبالجملة فالمعنى أن يواصل بين بعض العبادات وبعض، وأن لا يخلي وقتا من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى.