اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيكة المرسلين﴾.
قرأ نافع وابن كثير وابن عامر :«لَيْكَةَ » بلام واحدة وفتح التاء، جعلوه اسماً غير مُعَرَّفٍ ب «أل » مضافاً إليه «أَصْحَاب » هنا وفي «ص »(١) خاصة.
والباقون :«الأَيْكَةِ » معرفاً ب «أل » مُوافقةً لما أُجْمِعَ(٢) عليه في الحِجْر(٣) وفي «ق »(٤).
وقد اضطربت أقوال الناس في القراءة الأولى، وتجرأ(٥) بعضهم على قارئها.
ووَجْهُهَا على ما قال أبو عُبَيد : أن ( ليكة ) اسم للقرية التي كانوا(٦) فيها و ( الأَيْكَة ) :
اسم للبلد كُلِّه. قال أبو عُبَيد : لا أحب مفارقة الخط في شيءٍ من القرآن إلاَّ ما يخرُجُ من كلام العرب وهذا ليس بخارج(٧) من كلامها مع صحة المعنى في هذه الحروف، وذلك أَنَّا وجدنا في بعض التفاسير الفرق بين «لَيْكَة »، و «الأيكة »، فقيل :«لَيْكَةُ » هو(٨) اسمٌ للقرية التي كانوا فيها. والأَيْكَة : البلاد كلها، فصار الفرق بينهما شبيهاً بما بين ( مَكَّةَ، وبكَّةَ ) ورأيتهن مع هذا في الذي يقال : إنه الإمام - مصحف عثمان - مفترقان، فوجدت التي في «الحِجْر » والتي في «ق » :«الأَيْكَة »، ووجدت التي في «الشعراء » والتي في «ص » «لَيْكَة » ثم اجتمعت عليها مصاحف الأَمْصَار(٩) بعدُ، فلا نعلمها إذاً اختلفت(١٠) فيها، وقرأ أهل المدينة على هذا اللفظ الذي قَصَصْنا، يعني : بغير ألف ولام(١١)، ولا(١٢) إجراء(١٣).
انتهى ما قاله أبو عبيد(١٤). قال أبو شامة(١٥) بعد نقله كلام أبي عبيد : هذه عبارته، وليست سديدة، فإن اللام موجودة في «لَيْكَة » وصوابه : بغير ألف وهمزة(١٦). قال شهاب الدين : بل هي سديدة، فإنه يعني بغير ألفٍ ولامٍ مُعَرفَةٍ لا مطلق لامٍ في الجملة(١٧).
وقد تُعقِّبَ(١٨) قول(١٩) أبي عُبيد وأنكروا عليه، فقال أبو جعفر(٢٠) : أجمع القراء على خفض التي في «الحِجر » و «ق » فيجب أن يُرَدَّ ما اختلف فيه إلى ما اتفق عليه إذ كان المعنى واحداً، فأما ما حكاه أبو عبيد من " ليكة " : اسم القرية(٢١)، وأن " الأيكة " : اسم البلد(٢٢) كله، فشيء لا يثبت ولا يُعْرَفُ مَنْ قاله ولو عُرِف لكان فيه نظر، لأَنَّ أهل العلم جميعاً من المفسرين والعالمين(٢٣) بكلام العرب على خلافه، ولا نعلم خلافاً بين أهل اللغة أن «الأَيْكَة » الشجر المُلْتَفُّ.
فأما احتجاج بعض من احتج لقراءة من قرأ في هذين الموضعين بالفتح، لأنه في السواد(٢٤) «لَيْكَةَ » فلا حجة فيه، والقول فيه : إن أصله :«الأَيْكَة » ثم خففت الهمزة، فألقيت حركتها على اللام فسقطت واستغنت عن ألف الوصل، لأَنَّ اللام قد تحركت فلا يجوز على هذا إِلاَّ الخفض، كما تقول :«مَرَرْتُ بِالأَحْمَر » على تحقيق الهمزة ثم تخففها فتقول :«بِلحْمَر »، فإن شئت كتبته(٢٥) في الخط على ما كتبته(٢٦) أولاً، وإِنْ شئت كتبته(٢٧) بالحذف، ولم يَجُزْ إلاَّ الخفض، فلذلك(٢٨) لا يجوز في «الأَيْكَة » إلاَّ الخَفْض، قال سيبويه : واعلم أَنَّ كل ما لم ينصرف إذا دَخَلَتْهُ(٢٩) الألف واللام أو أضفته(٣٠) ( انصرف )(٣١) (٣٢).
ولا نعلم أحداً خالف سيبويه في هذا(٣٣) وقال المبرّد في كتاب الخط : كتبوا في بعض المواضع :﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ لَيْكَةَ﴾ بغير ألف، لأن الألف تذهب في الوصل، ولذلك(٣٤) غلط القارىء بالفتح فتوهم أن «لَيْكَة » اسم شيء، وأن اللام أصل فقرأ :«أَصْحَابُ لَيْكَة »(٣٥).
وقال الفراء : نرى - والله أعلم - أنها كتبت في هذين الموضعين بترك الهمز(٣٦)، فسقطت الألفُ لتحريك اللام(٣٧). قال مكيّ : تعقَّبَ ابن قتيبة على أبي عبيد فاختار «الأَيْكَة » بالألف والهمزة والخفض، وقال : إِنَّمَا(٣٨) كُتِبَتْ بغير ألف على تخفيف الهمز، قال : وقد أجمع الناس على ذلك، يعني : في «الحِجْر » و «ق » فوجب أن يُلحَق ما في «الشعراء » و «ص »(٣٩) بما(٤٠) أجمعُوا عليه، فما أجمعوا عليه شاهد لما اختلفوا فيه(٤١). وقال(٤٢) أبو إسحاق(٤٣) : القراءة بِجَرِّ لَيْكَةِ وأنت تريد «الأَيْكَةِ »(٤٤) أجود من أن تجعلها «لَيْكَة » وتفتحها ؛ لأَنَّها لا تتصرف لأن «لَيْكَة » لا تُعرَّفُ(٤٥)، وإنما هي «أَيْكَة » للواحد، و «أَيكٌ » للجمع، مثل : أَجمة وأَجَم. والأَيْكُ : الشجر الملتف، فأجود القراءة فيها الكسر وإسقاط الهمزة لموافقة المصحف ؛ ولا أعلمه إلا قد قرىء به(٤٦).
وقال الفارسي : قول من قال :«لَيْكَة » بفتح التاء مُشكِلٌ، لأنه فتح مع لحاق اللام(٤٧) الكلمة، وهذا في الامتناع كقول من قال : مَرَرْت بِلَحْمَر. فيفتح الآخر مع لحاق لام المعرفة، وإنما كتبت «لَيْكَة » على تخفيف الهمز(٤٨)، والفتح لا يصح في العربية لأنه فتح حرف الإعراب في موضع الجرّ مع لام المعرفة، فهو على قياس قول من قال : مَرَرْتُ بِلَحْمَر، ويبعد أن يفتح نافع ذلك مع ما قال عنه ورش(٤٩). يعني أنَّ وَرْشاً نقل عن نافع نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها حيث وُجِدَ بشروط مذكورة، ومن جملة ذلك ما في سورة «الحِجْر » و «ق » لفظ «الأَيْكَة »، فقرأ على قاعدته في السورتين بنقل الحركة وطرح الهمز وخفض التاء(٥٠)، فكذلك ينبغي أن يكون الحكم في هذين الموضعين أيضاً(٥١).
وقال الزمخشري : قرىء «أَصْحَابُ الأَيْكَةِ » بالهمزة وبتخفيفها وبالجر على الإضافة، وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أنَّ «لَيْكَة » بوزن :(٥٢) «لَيْلَة » - اسم بلد - فتوهُّمٌ قاد إليه خط المصحف(٥٣). .
وإنما كتبت على حكم لفظ اللافظ، كما يكتب أصحاب ( النحو )(٥٤) لان ولولى(٥٥) على هذه الصورة لبيان لفظ المخفف. وقد كتبت في سائر القرآن على الأصل والقصة واحدة، على «أنَّ لَيْكَةَ » اسم لا يعرف، وروي أَنَّ «أَصْحَابَ الايْكَةِ » كانوا أصحاب شجر مُلْتَفٍّ، وكان شجرهم الدَّوم(٥٦)، وهو شَجَرُ المُقْل(٥٧). يعني أن مادة ( ل ي ك ) مفقودة في لسان العرب. كذا قال الثقات ممن تتبَّع ذلك.
قال(٥٨) : وهذا كما نصُّوا على أنَّ الخاء والذال المعجمتين لم يجامعا الجيم في لغة العرب، ولذلك(٥٩) لم يذكرها صاحب «الصحاح »(٦٠) مع ذكره التفرقة المتقدمة عن أبي عبيد، ولو كانت موجودة في اللغة لذكرها مع ذكره التفرقة المتقدمة لشدة الاحتياج إليها(٦١). وقال الزجاج أيضاً : أهل المدينة يفتحون على ما جاء في التفسير أنَّ اسم المدينة التي كان فيها شعيب ( «لَيْكَة »(٦٢) )(٦٣).
قال أبو علي : لو صح هذا فلم أجمع(٦٤) القراء على الهمز في قوله :﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأيكة﴾ [الحجر: ٧٨] في «الحِجْر »، و «الأَيْكَةُ » التي ذكرت هاهنا هي «الأيْكَة » التي ذكرت هناك، وقد قال ابن عباس : الأَيْكَةُ : الغَيْضَة(٦٥) ولم يفسرها بالمدينة ولا البلد(٦٦). قال شهاب الدين : وهؤلاء كلُّهم كأنهم زعموا أنَّ هؤلاء الأئمة الأثبات إنما أخذوا هذه القراءة من خط المصاحف دون أفواه الرجال، وكيف يظنُّ بمثل(٦٧) أسنِّ القرّاء وأعلاهم إسناداً، والآخذ القرآن(٦٨) عن جملة من ( جلّة )(٦٩) الصحابة أبي الدَّرداء وعثمان بن عفان وغيرهما، وبمثل(٧٠) إمام مكّة(٧١) - شرّفها الله تعالى - وبمثل إمام المدينة(٧٢)، وكيف ينكر على أبي عبيد قوله أو يتَّهم في نقله ؟ ومن حفظ حجةٌ على من لم يحفظ ؛ والتواتر قطعيٌّ فلا يعارض بالظني، وأما اختلاف القراءة مع اتحاد القصة فلا يضر(٧٣) ذلك، عبِّر عنها تارةٌ بالقرية خاصة وتارة بالمصر الجامع للقرى كلها، الشامل هو لها، وأما تفسير ابن عباس فلا ينافي ذلك، لأنَّه عبر عنها بما كثر فيها(٧٤).
١ وهو قوله تعالى: ﴿وثمود وقوم لوطٍ وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب﴾ [١٣]..
٢ في ب: اجتمع..
٣ وهو قوله تعالى: ﴿وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين﴾ [٧٨]..
٤ وهو قوله تعالى: ﴿وأصحاب الأيكة وقوم تبَّع كلٌّ كذَّب الرُّسل فحقَّ وعيد﴾ [١٤]. وانظر السبعة (٣٦٨، ٤٧٣)، الكشف ٢/٣٢، النشر ٢/٣٣٦، الإتحاف (٣٣٣)..
٥ في ب: تجزأ..
٦ في ب: يكون. وهو تحريف..
٧ في ب: عن..
٨ هو: سقط من ب. وفي إبراز المعاني: هي..
٩ في ب: الأعصار. وهو تحريف..
١٠ في الأصل: اختلف..
١١ في ب: فلام. وهو تحريف..
١٢ ولا: سقط من ب..
١٣ يعني بالإجراء الصرف، وقوله: بلا إجراء، أي: بالمنع من الصرف..
١٤ انظر إعراب القرآن للنحاس ٢/٤٩٨-٤٩٩، إبراز المعاني (٤١٨)..
١٥ تقدم..
١٦ إبراز المعاني (٤١٨)..
١٧ الدر المصون ٥/١٦٥..
١٨ في ب: تعقبوا..
١٩ في الأصل: أقوال..
٢٠ يعني النحاس..
٢١ في ب: للقرية..
٢٢ في ب: للبلد..
٢٣ في ب: والقائلين..
٢٤ يعني بالسواد: الخط..
٢٥ في ب: كتبت..
٢٦ في ب: كتبت..
٢٧ في ب: كتبت..
٢٨ في ب: فكذلك. وهو تحريف..
٢٩ في ب: دخلت..
٣٠ أو أضفته: سقط من ب..
٣١ قال سيبويه: ( وجميع ما لا ينصرف إذا أدخلت عليه الألف واللام أو أضيف انجر، لأنها أسماء أدخل عليها ما يدخل على المنصرف، وأدخل فيها الجر كما يدخل في المنصرف) الكتاب ١/٢٢-٢٣.
وقال: ( واعلم أن كل اسم لا ينصرف فإن الجر يدخله إذا أضفته أو أدخلت فيه الألف واللام، وذلك أنهم أمنوا التنوين وأجروه مجرى الأسماء) الكتاب ٣/٢٢١..

٣٢ ما بين القوسين في ب: الصرف..
٣٣ إعراب القرآن ٣/١٨٩-١٩٠، وانظر أيضاً إبراز المعاني (٤١٩)..
٣٤ في ب: وكذلك..
٣٥ انظر إعراب القرآن للنحاس ٢/٤٩٨-٤٩٩، وإبراز المعاني (٤١٩)..
٣٦ في ب: الهمزة..
٣٧ معاني القرآن ٢/٩١، وانظر أيضاً إبراز المعاني (٤١٩)..
٣٨ في ب: إنها..
٣٩ في الأصل: وصاد..
٤٠ في ب: وبما..
٤١ الكشف ١/٣٢-٣٣. وانظر أيضاً إبراز المعاني (٤١٩)..
٤٢ في ب: قال..
٤٣ يعني الزجاج..
٤٤ الأيكة: سقط من ب..
٤٥ في ب: لا تصرف..
٤٦ معاني القرآن وإعرابه ٤/٩٨. وانظر أيضاً إبراز المعاني (٤١٩)..
٤٧ في ب: التاء. وهو تحريف..
٤٨ في ب: الهمزة..
٤٩ الحجة لأبي علي الفارسي ٦/٤٥-٤٦ وانظر أيضاً إبراز المعاني (٤١٩)..
٥٠ قال ابن مجاهد: ( غير أن ورشاً روى عن نافع: "الأيكة" ههنا وفي (ق) متروكة الهمزة مفتوحة اللام بحركة الهمزة، والهمزة ساقطة) السبعة (٣٦٨)..
٥١ انظر إبراز المعاني (٤١٩)..
٥٢ في ب: ليكة. وهو تحريف..
٥٣ هنا سقط في عبارة الزمخشري بين قوله: (خط المصحف) وقوله: ( إنما كتبت على حكم لفظ اللافظ)، وهو: ( حيث وجدت مكتوبة في هذه السورة، وفي سورة (ص) بغير ألف، وفي المصحف أشياء كتبت على خلاف قياس الخط المصطلح عليه، وإنما كتبت في هاتين السورتين) الكشاف ٣/١٢٥..
٥٤ النحو: تكملة من الكشاف..
٥٥ يريد: الآن والأولى، فلما خففت بحذف الهمزة تحركت اللام قبلها لئلا يلتقي ساكنان، وسقطت همزة الوصل لعدم الاحتياج لها..
٥٦ الكشاف ٣/١٢٥..
٥٧ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/٩٧، إعراب القرآن للنحاس ٣/١٩٠..
٥٨ أي: أبو شامة شارح الشاطبية..
٥٩ في ب: وكذلك..
٦٠ وقد تقدمت ترجمته..
٦١ إبراز المعاني (٤١٩)..
٦٢ معاني القرآن وإعرابه ٤/٩٨، وانظر أيضاً إبراز المعاني (٤١٩)..
٦٣ ما بين القوسين في ب: أيكة..
٦٤ في ب: الجمع. وهو تحريف..
٦٥ الغيضة: مغيض ماءٍ يجتمع فينبت فيه الشجر، وجمعها غياض. اللسان (غيض)..
٦٦ الحجة لأبي علي الفارسي ٦/٤٦-٤٨. وانظر أيضاً إبراز المعاني ٤١٩-٤٢٠..
٦٧ في ب: مثل..
٦٨ في ب: للقرآن..
٦٩ جلة: تكملة من الدر المصون..
٧٠ في ب: مثل..
٧١ يريد: ابن كثير، أحد القراء السبعة..
٧٢ يريد: نافعاً، أحد القراء السبعة..
٧٣ في ب: فلا يضمن. وهو تحريف..
٧٤ الدر المصون ٥/١٦٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى