روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
( يلقون ) أي الافاكون ﴿السَّمْعَ﴾ أي سمعهم إلى الشياطين، وإلقاء السمع مجاز عن شدة الاصغاء للتلقي فكأنه قيل : يضغون أشد إصغاء إلى الشياطين فيتلقون منهم ما يتلقون ﴿وَأَكْثَرُهُمُ﴾ أي الأفاكين ﴿كاذبون﴾ فيما يقولونه من الأقاويل، والأكثرية باعتبار أقوالهم على معنى أن هؤلاء قلما يصدقون في أقوالهم وإنما هم في أكثرها كاذبون ومآله وأكثر أقوالهم كاذبة لا باعتبار ذواتهم حتى يلزم من نسبة الكذب إلى أكثرهم كون أقلهم صادقين على الاطلاق ويلتزم لذلك كون الأكثر بمعنى الكل.
وليس معنى الأفك من لا ينطق إلا بالإفك حتى يمتنع منه الصدق بل من يكثر الإفك فلا ينافيه أن يصدق نادراً في بعض الأحايين، وجوز أن يكون السمع بمعنى المسموع والقاؤه مجاز عن ذكره أن يلقى الأفاكون إلى الناس المسموع من الشياطين وأكثرهم كاذبون فيما يحكون عن الشياطين ولم يرتضه بعضهم لبعده أو لقلة جدواه على ما قيل. واختلف في سبب كون أكثر أقوالهم كاذبة فقيل : هو بعد البعثة كونهم يتلقون منهم ظنوناً وإمارات إذ ليس لهم من علم الغيب نصيب وهم محجوبون عن خبر السماء ولعدم صفاء نفوسهم قلما تصدق ظنونهم ومع ذلك يضم الأفاكون إليها لعدم وفائها بمرادهم على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها الواقع، وقبل البعثة إذ كانوا غير محجوبين عن خبر السماء وكانوا يسمعون من الملائكة عليهم السلام ما يسمعونه من الأخبار الغيبية يحتمل أن يكون كثرة غلط الأفاكين في الفهم لقصور فهمهم عنهم، ويحتمل أن يكون ضمنهم إلى ما يفهمونه من الحق أشياء من عند أنفسهم لا يطابق أكثرها الواقع، ويحتمل أن يكون كثرة غلط الشياطين الذين يوحون إليهم في الفهم عن الملائكة عليهم السلام لقصور فهمهم عنهم، ويحتمل أن يكون ضم الشياطين إلى ما يفهمونه من الحق من الملائكة عليهم السلام أشياء من عند أنفسهم لا يطابق أكثرها الواقع، ويحتمل أن يكون مجموع ما ذكر. وقيل : هو قبل البعثة يحتمل أن يكون أحد هذه الأمور وأما بعد البعثة فهو كثرة خلطهم الكذب فيما تحطفه الشياطين عند استراقهم السمه من الملائكة ويلقونه إليهم.
فقد أخرج البخاري. ومسلم. وابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :«سأل النبي ﷺ عن الكهان فقال : إنهم ليسوا بشيء فقالوا : يا رسول الله إنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حقاً قال تلك الكلمة من الحق يحفظها الجنى فيقذفها في أذن وليه فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة » وقيل : هو قبل البعثة وبعدها كثرة خلط الأفاكين الكذب فيما يتلقونه من الشياطين، أما كثرته قبل البعثة فلظاهر الخبرالمذكور، وأما كثرته بعد البعثة فلما أخرجه عبد الرزاق.
وعبد بن حميد. وابن جرير. وابن المنذر. وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال في هذه الآية : كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتستمع ثم تنزل إلى الكهنة فتخبرهم فتحدث الكهنة بما أنزلت به الشياطين من السمع وتخلط به الكهنة كذباً كثيراً فيحدثون به الناس فأما ما كان من سمع السماء فيكون حقاً وأما ما خلطوه به من الكذب فيكون كذباً، ولا يخفى أن القول بأن الشياطين بعد البعثة يلقون ما يسترقونه من السمع إلى الكهنة غير مجمع عليه، ومن القائلين به من يجوز أن يكون ضمير ﴿يُلْقُون﴾ في الآية راجعاً إلى الشياطين، والمعنى يلقى الشياطين المسموع من الملأ الأعلى قبل أن يرجموا من بعض المغيبات إلى أوليائهم وأكثرهم كاذبون فيما يوحون به إليهم، إذ لا يسمعونهم على نحو ما تكلمت به الملائكة عليهم السلام لشرارتهم أو لقصور فهمهم أو ضبطهم أو إفهامهم، وقيل : المعنى عليه ينصت الشياطين ويستمعون إلى الملأ الأعلى قبل الرجم وأكثرهم كاذبون فيما يوحون به إلى أوليائهم بعد لشرارتهم أو لأنهم لا يسمعون في أنفسهم أو لا يسمعون أولياءهم بعد ذلك السمع كلام الملائكة عليهم السلام على وجهه، وجملة ﴿يُلْقُون﴾ على تقدير كون الضمير للأفاكين صفة ﴿لّكُلّ أَفَّاكٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] لأنه في معنى الجمع سواء أريد بإلقاء السمع الاصغاء إلى الشياطين أو إلقاء المسموع إلى الناس، وجوز أن تكون استئنافاً أخباراً بحالهم على كلا التقديرين لما أن كلا من تلقيهم من الشياطين وإلقائهم إلى الناس يكون بعد التنزل، واستظهر تقدير المبتدأ على هذا، وأن تكون استئنافاً مبنياً على السؤال كأنه قيل : ما يفعلون عند تنزل الشياطين أو ما يفعلون بعد تنزلهم ؟ فقيل : يلقون إليهم أسماعهم ليحفظوا ما يوحون به إليهم أو يلقون ما يسمعونه منهم إلى الناس، وجوز أن تكون حالاً منتظرة على التقديرين أيضاً.
وهي على تقدير كون الضمير للشياطين، والمعنى ما سمعت أولاً قيل : تحتمل أن تكون استئنافاً مبيناً للغرض من التنزل مبنياً على السؤال عنه كأنه قيل لم تنزل عليهم ؟ فقيل : يلقون إليهم ما سمعوه، وأن تكون حالا منتظرة من ضمير الشياطين أي تنزل على كل أفاك أثيم ملقين ما يسمعونه من الملأ الأعلى إليهم ؛ وعلى ذلك التقدير والمعنى ما سمعت ثانياً قيل : لا يجوز أن تكون استئنافاً نظير ما ذكر آنفاً ولا أن تكون حالاً أيضاً لأن القاء السماع بمعنى الانصات مقدم على التنزل المذكور فكيف يكون غرضاً منه أو حالاً مقارنة أو منتظرة ويتعين كونها استئنافاً للأخبار بحالهم.
وتعقب بأنه غير سديد لأن ذكر حالهم السابقة على تنزلهم المذكور قبله غير خليق بجزالة التنزيل، ومن هنا قيل : أن جعل الضمير للشياطين وحمل إلقاء السمع على انصاتهم وتسمعهم إلى الملأ الأعلى مما لا سبيل إليه وفيه نظر، وجملة ﴿هُمْ كَذَّبُونِ﴾ استئنافية أو تحتمل الاستئنافية والحالية، هذا واعلم أن ههنا اشكالاً وارداً على بعض الاحتمالات في الآية لأنها عليه تفيد أن الشياطين يسمعون من الملائكة عليهم السلام ما يسمعونه ويلقونه إلى الأفاكين : وقد تقدم ما يدل على منعهم عن السمع أعني قوله تعالى :﴿إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]. وأجيب بأن المراد بالسمع فيما تقدم السمع المعتد به وفيما ههنا السمع في الجملة ويراد به الخطفة المذكورة في قوله سبحانه :﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة﴾ [ الصفات : ١٠ ] والكلمة المذكورة في خبر الصحيحين. وابن مردويه السابق آنفا. واعترض بأن من خطف لا يبقى حياً إلى أن يوصل ما خطفه إلى وليه لظاهر قوله تعالى :﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ٠١] فإن ظاهره أنه يهلك بالشهاب الذي لحقه.
وأجيب بأن نفي بقائه حياً غير مسلم. ولا نسلم أن الآية ظاهرة فيما ذكر إذ ليس فيها أكثر من اتباع الشهاب الثاقب إياه وهو يحتمل الزجر كما يحتمل الاهلاك فليرد اتباعه للزجر مع بقائه حياً فإن الخبر المذكور يقتضي بقاءه كذلك. وجاء عن ابن عباس أن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها فيلقون إلى الكهنة فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سموات فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السموات كلها فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب وهو الشعلة من النار فلا يخطئ أبداً فمنهم من يقتله ومنهم من يحرق وجهه ومنهم من يخبله فيصير غولاً يضل الناس في البراري، وقيل : إن المراد بالسمع فيما تقدم سمع الوحي وفيما هنا سمع المغيبات غيره وهم غير ممنوعين عنه قبل البعثة وبعدها، وهذا مأخوذ من كلام عبد الرحمن بن خلدون في مقدمة تاريخه التي لم ينسج على منوالها وان كان للطعن فيها مجال قال : إن الآيات إنما دلت على منع الشياطين من نوع واحد من أخبار السماء وهو ما يتعلق بخبر البعثة ولم يمنعوا مما سوى ذلك، بل ربما يقال : إن في كلامه بعد إشعاراً ما بأن المنع إنما كان بين يدي النبوة فقط لا قبل ذلك ولا بعده.
ولا يخفى أن الظواهر تشهد بمنعهم مطلقاً إلى يوم القيامة، بل قد يدعى أن في الآيات ما يدل على أن حفظ السماء بالكواكب لم يحدث وان خلقها لذلك وهو ظاهر في أنهم كانوا ممنوعين أيضاً قبل ولادته ﷺ من خبر السماء، ويشكل هذا على ظاهر العزل إلا أن يدعى أن المنع قبل لم يكن بمثابة المنع بعد فالعزل عما كان يجعل المنع شديداً بالنسبة إليه. وفي اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر لمولانا عبد الوهاب الشعراني عليه الرحمة الصحيح أن الشياطين ممنوعون من السمع منذ بعث رسول الله ﷺ إلى يوم القيامة وبتقدير استراقهم فلا فلا يتوصلون إلى الأنثى ليخبروهم بما استرقوه بل تحرقهم الشهب وتفنيهم انتهى.
قيل ويلزم القائلين بهذا حمل ما في خبر الصحيحين على كهان كانوا قبل البعثة وقد أدركهم السائلون وهو الذي يقتضيه كلام القاضي أيضاً. فقد نقل النووي عنه في «شرح صحيح مسلم » أنه قال : كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضر، أحدها أن يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء وهذا القسم بطل من حين بعث نبينا ﷺ إلى آخر ما قال : وهو ظاهر كلام البوصيري حيث يقول :
بعث الله عند مبعثه الشهب حراساً وضاق عنها الفضاء
تطرد الجن عن مقاعد للسمع كما يطرد الذئب الرعاء
فمحت آية الكهانة آيات من الوحى ما لهن انمحاء
وقد قيل في الجواب عن الإشكال نحو هذا وهو أن تنزل الشياطين وإلقاءهم ما يسمعونه من السماء إلى أوليائهم حسبما تفيده الآية المذكورة في أحد محاملها إنما كان قبل البعثة حيث لم يكن حينئذ منع أو كان لكنه لم يكن شديداً. والمنع من السمع الذي يفيده قوله تعالى :﴿إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] إنما كان بعد البعثة وكان على أتم وجه، وهذا مشكل عندي بابن الصياد وما كان منه فإنهم عدوه من الكهان، وقد صح إنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام حين سأله عن أمره : يأتيني صادق وكاذب وأن النبي ﷺ امتحنه فاضمر له آية الدخان وهي قوله تعالى :﴿فارتقب يَوْمَ تَأْتِى السماء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] وقال ﷺ : خبأت لك خبأ فقال ابن الصياد : هو الدخ أي الدخان وهي لغة فيه كما ذهب إليه الجمهور فقال له النبي ﷺ :«أخسأ فلن تعدو قدرك ».
وقد قال القاضي كما نقل النووي عنه أيضاً : أصح إلا قول أنه لم يهتد من الآية التي أضمرها النبي عليه الصلاة والسلام إلا لهذا اللفظ الناقص على عادة الكهان إذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف قبل أن يدركه الشهاب ويدل عليه قوله ﷺ :«أخسأ فلن تعدو قدرك » أي القدر الذي يدركه الكهان من الاهتداء إلى بعض الشيء وما لا يبين منه حقيقته ولا يصل به إلى بيان وتحقيق أمور الغيب، وقد يقال في دفع هذا الإشكال : إن ابن الصياد كان من الضرب الثاني من الكهان وهم الذين تخبرهم الشياطين بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض وما خفي عنهم مما قرب أو بعد، والصحيح جواز وجودهم بعد البعثة خلافاً للمعتزلة وبعض المتكلمين حيث قالوا باستحالة وجود هذا الضرب، وكذا الضرب السابق آنفاً، وأنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ قد أسر إلى بعض أصحابه الذين كانوا معه ما أضمره أو كانت سورة الدخان مكتوبة في يده ﷺ أو كتب الآية وحدها في يده عليه الصلاة والسلام، وكلا القولين الأخيرين حكاهما الداودين بع

تفسير هذه الآية من كتب أخرى