زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي
عن الكتاب
ثم أخبر أنه لو أراد أن ينزل عليهم ما يضطرهم إلى الإيمان لفعل، فقال :﴿إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ﴾ وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكل :" إِن يَشَأْ يُنَزّلٍ " بالياء فيهما، ﴿عَلَيْهِمْ مّنَ السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ جعل الفعل أولا للأعناق، ثم جعل " خاضعين " للرجال، لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون. وقيل : لمّا وصف الأعناق بالخضوع، وهو من صفات بني آدم، أخرج الفعل مخرج الآدميين كما بينا في قوله :﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وهذا اختيار أبي عبيدة. وقال الزجاج : قوله :" فَظَلَّتْ " معناه : فتظل، لأن الجزاء يقع فيه لفظ الماضي في معنى المستقبل، كقولك : إن تأتني أكرمتك، معناه : أكرمْك ؛ وإنما قال :﴿خَاضِعِينَ﴾ لأن خضوع الأعناق هو خضوع أصحابها، وذلك أن الخضوع لما لم يكن إلا بخضوع الأعناق، جاز أن يخبر عن المضاف إليه، كما قال الشاعر :
فلما كانت السنون لا تكون إلا بمر، أخبر عن السنين، وإن كان أضاف إليها المرور. قال : وجاء في التفسير أنه يعني بالأعناق كبراءهم ورؤساءهم. وجاء في اللغة : أن أعناقهم جماعاتهم ؛ يقال : جاءني عنق من الناس، أي جماعة.
| رأت مر السنين أخذن مني | كما أخذ السرار من الهلال |