جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِن نّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السّمَآءِ آيَةً فَظَلّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : فَظَلّتْ أعْناقُهُمْ. . . الآية، فقال بعضهم : معناه : فظلّ القوم الذين أنزل عليهم من السماء آية خاضعة أعناقهم لها من الذَلّة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد في قوله : فَظَلّتْ أعْناقُهُمْ لَهَا خاضِعينَ قال : فظلوا خاضعة أعناقهم لها.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله خاضِعِينَ قال : لو شاء الله لنزّل عليه آية يذلون بها، فلا يَلْوِي أحد عنقه إلى معصية الله.
حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج أنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إنْ نَشأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السّماءِ آيَةً قال : لو شاء الله لأراهم أمرا من أمره لا يعمل أحد منهم بعده بمعصية.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : فَظَلّتْ أعْناقُهُمْ لَهَا خاضِعِينَ قال : ملقين أعناقهم.
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فَظَلّتْ أعْناقُهُمْ لَهَا خاضِعِينَ قال : الخاضع : الذليل.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فظلت سادتهم وكبراؤهم للآية خاضعين، ويقول : الأعناق : هم الكبراء من الناس.
واختلف أهل العربية في وجه تذكير خاضعين، وهو خبر عن الأعناق، فقال بعض نحويّي البصرة : يزعمون أن قوله أعْناقُهُمْ على الجماعات، نحو : هذا عنق من الناس كثير، أو ذُكّركما يذكّر بعض المؤنث، كما قال الشاعر :
| تَمَزّزْتها والدّيكُ يَدْعُو صَباحَهُ | إذا ما بنو نَعْشٍ دَنَوْا فَتَصَوّبُوا |
| ونَشْرَقُ بالقَوْل الّذي قَدْ أذَعْتَه | كمَا شَرقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدّم |
*** لَمّا رأى مَتْنَ السّماء أبْعَدَتْ ***
وقال الفرزدق :
| إذَا الْقُنْبُضَات السّود طَوّفْنَ بالضحى | رَقَدْنَ عَلَيْهِنّ الحِجالُ المَسَجّفُ |
| وَإنّ امْرَأً أهْدَى إلَيْكِ وَدُونَهُ | مِنَ الأرْضِ يَهْماءٌ وَبَيْدَاءُ خَيْفَقُ |
| لَمَحْقُوقَةٌ أن تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ | وأنْ تَعْلَمِي أنّ المُعانَ المُوَفّقُ |
| تَرَى أرْماحَهُمْ مُتَقَلدِيها | إذَا صدئ الحَدِيدُ على الكُماةِ |
| عَلى قَبْضَة مَرْجُوّة ظَهْرُ كَفّهِ | فَلا المَرْءُ مُسْتَحْيٍ وَلا هُوَ طاعِمُ |
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بما قال أهل التأويل في ذلك أن تكون الأعناق هي أعناق الرجال، وأن يكون معنى الكلام : فظلت أعناقهم ذليلة، للاَية التي ينزلها الله عليهم من السماء، وأن يكون قوله «خاضعين » مذكرا، لأنه خبر عن الهاء والميم في الأعناق، فيكون ذلك نظير قول جرير :
| أرَى مَرّ السّنِينَ أخَذْنَ مِنّي | كمَا أخَذَ السّرَارُ مِنَ الهِلالِ |
فإن قيل في الكلام : فظلوا لها خاضعين، كان الكلام غير فاسد، لسقوط الأعناق، ولا متغير معناه عما كان عليه قبل سقوطها، فصرف الخبر بالخضوع إلى أصحاب الأعناق، وإن كان قد ابتدأ بذكر الأعناق لما قد جرى به استعمال العرب في كلامهم، إذا كان الاسم المبتدأ به، وما أضيف إليه يؤدّي الخبر كلّ واحد منهما عن الآخر.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: (بَاخِعٌ نَفْسَكَ) : قاتل نفسك.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) قال: لعلك من الحرص على إيمانهم مخرج نفسك من جسدك، قال: ذلك البخع.
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ) عليهم حرصا.
وأن من قوله: (أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) في موضع نصب بباخع، كما يقال: زرت عبد الله أن زارني، وهو جزاء; ولو كان الفعل الذي بعد أن مستقبلا لكان وجه الكلام في "أن"الكسر كما يقال; أزور عبد الله إن يزورني.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ)... الآية، فقال بعضهم: معناه: فظلّ القوم الذين أنزل عليهم من السماء آية خاضعة أعناقهم لها من الذلَّة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد في قوله: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) قال: فظلوا خاضعة أعناقهم لها.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: (خَاضِعِينَ) قال: لو شاء الله لنزل عليه آية يذلون بها، فلا يلوي أحد عنقه إلى معصية الله.
حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج: (أَلا يَكُونُوا
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) قال: ملقين أعناقهم.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) قال: الخاضع: الذليل.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظلت سادتهم وكبراؤهم للآية خاضعين، ويقول: الأعناق: هم الكبراء من الناس.
واختلف أهل العربية في وجه تذكير (خاضعين)، وهو خبر عن الأعناق، فقال بعض نحوييّ البصرة: يزعمون أن قوله (أعْنَاقُهُمْ) على الجماعات، نحو: هذا عنق من الناس كثير، أو ذُكِّر كما يذكَّر بعض المؤنث، كما قال الشاعر:
| تَمَزَّزْتُها والدّيكُ يَدْعُو صَبَاحَهُ | إذا ما بنو نَعْشٍ دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا (١) |
| وَصَهْبَاءُ لا يَخْفَى الْقَذَى وَهْيَ دُونَهُ | تُصَفَّقُ في رأوُوقِهَا ثُمَّ تُقْطَبُ |
" البيتان، الصهباء: الخمر. وقوله: "لا يخفى القذى وهي دونه" أي لا تستره إذا وقع فيها، لكونها صافية، فالقذى يرى فيها إذا وقع. وقوله: وهي دونه: يريد أن القذى إذا حصل في أسفل الإناء، رآه الرائي في الموضع الذي فوقه الخمر، والخمر أقرب إلى الرائي من القذى. يريد أنها يرى ما وراءها. وتصفق تدار من إناء إلى إناء وقوله: تمززتها: أي شربتها قليلا قليلا. وتقطب: تمزج بالماء. قال الأزهري: وللشاعر إذا اضطر أن يقول: بنو نعش، كما قال الشاعر، وأنشد البيت، ووجه الكلام: بنات نعش، كما قالوا: بنات آوى وبنات عرس، والواحد منها ابن عرس، يؤنثون جمع ما خلا الآدميين. ورواية أبي عبيدة في (مجاز القرآن ص ١٧١) : شربت إذا ما الديك... إلخ البيت.
| وتشرقُ بالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتَه | كمَا شَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّم (١) |
لَمَّا رأى مَتْنَ السَّماء أبْعَدَتْ (٢)
وقال الفرزدق:
| إذَا الْقُنْبُضَاتُ السُّودُ طَوَّفْنَ بالضحى | رَقَدْنَ عَلَيهِنَّ الحِجَالُ المُسَجَّفُ (٣) |
وإن أمرأً أهْدَى إلَيْكَ وَدُونَهُ... مِنَ الأرْضِ يَهْماءٌ وَبَيْدَاءُ خَيْفَقُ... لَمَحْقُوقَة أن تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ... وأنْ تَعْلَمِي أنَّ المُعانَ المُوَفَّقُ (٤)
(٢) لم أجد البيت في ديوان العجاج ورؤبة. ووجدت أرجوزة من نفس القافية للزفيان ملحقة بديوان العجاج (٩٤، ٩٥) وليس فيها البيت. والمتن: الظهر. والشاهد في هذا الرجز أنه أنث الفعل أبعدت بالتاء، مع أن الضمير فيه راجع إلى المتن، وهو مذكر؛ لكن لما أضيف المتن إلى السماء وهي مؤنثة، فكأن الشاعر أعاد الضمير على السماء، وتناسى المتن، فأنث لذلك، وكأنه قال: "لما رأى السماء أبعدت". وهو كالشاهد الذي قبله.
(٣) البيت للفرزدق (اللسان: قبض). والقنبضة من النساء: القصيرة، والنون زائدة، والضمير في رقدن: يعود إلى نساء وصفهن بالنعمة والترف إذا كانت القنبضات السود في خدمة وتعب اهـ. يعني بالقنبضات الولائد والإماء من الخدم. والحجال: جمع حجلة، بالتحريك، وهي بيت كالقبة يستر بالثياب، ويكون له أزرار كبار. ومنه حديث: "أعروا النساء يلزمن الحجال". وجمع الحجلة: حجل وحجال، قال الفرزدق: * رقدن عليهن الحجال المسجف *
قال: الحجال، وهي جماعة، ثم قال: المسجف فذكر، لأن لفظ الحجال لفظ الواحد مثل الجراب. قال: ومثله قوله تعالى: (قال من يحيي العظام وهي رميم)، ولم يقل رميمة. وانظر البيت أيضًا في ديوان الفرزدق (طبعة الصاوي ص ٥٥٢) قال: والتسجيف: إرخاء السجفين، وهما سترا باب الحجلة للعروس وكل باب يستره ستران بينهما مشقوق، فكل شق منهما سجف.
(٤) البيتان لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه ص ٢٢٣) من قافيته التي مطلعها: * أرقت وما هذا السهاد المؤرق *
يمدح بها المحلق بن خنثم بن شداد بن ربيعة. وفي رواية البيت الأول فيه وفي خزانة الأدب الكبرى (للبغدادي ١: ٥٥١، ٢: ٤١٠) أسرى، في موضع: أهدى. و"أن المعان موفق" في موضع "أن المعان الموفق". = ومعنى أهدى من الهدية، وهذا لا يصلح إلا على أن الخطاب للناقة وكان قد أهداها الممدوح إليه، لا على أن الخطاب للمرأة المذكورة في القصيدة قبل البيت في قوله "وكم دون ليلى" وتمام رواية البيت على أنه خطاب للناقة هو:
| وإن امرأ أهداك بيني وبينه | فياف تنوفات ويهماء سملق |
| تَرَى أرْمَاحَهُمْ مُتَقَلديها | إذَا صَدِئَ الحَدِيدُ على الكُماةِ (١) |
| عَلى قَبْضَة مَرْجُوَّة ظَهْرُ كَفِّهِ | فَلا المَرْءُ مُسْتَحي وَلا هُوَ طاعِمُ (١) |
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بما قال أهل التأويل في ذلك أن تكون الأعناق هي أعناق الرجال، وأن يكون معنى الكلام: فظلت أعناقهم ذليلة، للآية التي ينزلها الله عليهم من السماء، وأن يكون قوله "خاضعين"مذكرا، لأنه خبر عن الهاء والميم في الأعناق، فيكون ذلك نظير قول جرير:
| أرَى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي | كمَا أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الهلالِ (٢) |
(٢) البيت لجرير، وقد سبق الاستشهاد به في الجزء (١٢: ١٥٧) وذكره صاحب (اللسان: خضع) قال: جاز أن يخبر عن المضاف إليه كما قال الشاعر "رأت مر السنين"، لما كانت السنون لا تكون إلا بمن أخبر عن السنين، وإن كان أضاف إليها المرور. والسرار: الليلة التي يخفى فيها الهلال آخر الشهر. ورواية "رأت مر السنين": هي رواية الديوان (طبعة الصاوي: ٤٢٦) ورواية أبي عبيدة في مجاز القرآن (ص ١٧١).