فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
وجملة :﴿إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السماء ءايَةً﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما سبق من التسلية، والمعنى : إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية تلجئهم إلى الإيمان، ولكن قد سبق القضاء بأنا لا ننزل ذلك، ومعنى ﴿فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين﴾ أنهم صاروا منقادين لها : أي فتظلّ أعناقهم إلخ، قيل وأصله، فظلوا لها خاضعين، فأقحمت الأعناق لزيادة التقرير والتصوير، لأن الأعناق موضع الخضوع.
وقيل : إنها لما وضعت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم، ووصفت بما يوصفون به. قال عيسى بن عمر : خاضعين، وخاضعة هنا سواء، واختاره المبرد، والمعنى : أنها إذا ذلت رقابهم ذلوا، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها، ويسوغ في كلام العرب أن يترك الخبر عن الأوّل، ويخبر عن الثاني، ومنه قول الراجز :
فأخبر عن الليالي، وترك الطول، ومنه قول جرير :
وقال أبو عبيد والكسائي : إن المعنى خاضعيها هم، وضعفه النحاس، وقال مجاهد : أعناقهم كبراؤهم، قال النحاس : وهذا معروف في اللغة، يقال : جاءني عنق من الناس : أي رؤساء منهم. وقال أبو زيد والأخفش : أعناقهم جماعاتهم، يقال : جاءني عنق من الناس : أي جماعة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين﴾ قال : ذليلين. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنبٌ﴾ قال : قتل النفس. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الكافرين﴾ قال : للنعمة، وإن فرعون لم يكن ليعلم ما الكفر ؟ وفي قوله :﴿فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ قال : من الجاهلين. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد :﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إسراءيل﴾ قال : قهرتهم واستعملتهم.
وقيل : إنها لما وضعت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم، ووصفت بما يوصفون به. قال عيسى بن عمر : خاضعين، وخاضعة هنا سواء، واختاره المبرد، والمعنى : أنها إذا ذلت رقابهم ذلوا، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها، ويسوغ في كلام العرب أن يترك الخبر عن الأوّل، ويخبر عن الثاني، ومنه قول الراجز :
| طول الليالي أسرعت في نقضي | طوين طولي وطوين عرضي |
| أرى مرّ السنين أخذن مني | كما أخذ السرار من الهلال |