البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وفي قولهم :﴿إنا إلى ربنا منقلبون﴾، نكتة شريفة، وهو أنهم آمنوا لا رغبة ولا رهبة، إنما قصدوا محض الوصول إلى مرضات الله والاستغراق في أنوار معرفته.
انتهى ملخصاً.
ويدفع هذا الأخير قولهم :﴿إنا نطمع﴾ إلى آخره، ولا يكون ذلك إلا من خوف تبعات الخطايا.
والظاهر بقاء الطمع على بابه كقوله :﴿ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين﴾ وقيل : يحتمل اليقين.
قيل : كقول إبراهيم عليه السلام :﴿والذي أطمع﴾.
وقرأ الجمهور :﴿أن كنا﴾، بفتح الهمزة، وفيه الجزم بإيمانهم.
وقرأ أبان بن تغلب، وأبو معاذ : إن كنا، بكسر الهمزة.
قال صاحب اللوامح على الشرط : وجاز حذف الفاء من الجواب، لأنه متقدم، وتقديره :﴿إن كنا أول المؤمنين﴾ فإنا نطمع، وحسن الشرط لأنهم لم يتحققوا ما لهم عند الله من قبول الإيمان. انتهى.
وهذا التخريج على مذهب الكوفيين وأبي زيد والمبرد، حيث يجيزون تقديم جواب الشرط عليه، ومذهب جمهور البصريين أن ذلك لا يجوز، وجواب مثل هذا الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه.
وقال الزمخشري : هو من الشرط الذي يجيء به المدلول بأمره المتحقق لصحته، وهم كانوا متحققين أنهم أول المؤمنين.
ونظيره قول العامل لمن يؤخر.
جعله إن كنت عملت فوفني حقي، ومنه قوله تعالى :﴿إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي﴾ مع علمه أنهم لم يخرجوا إلا لذلك.
وقال ابن عطية بمعنى : أن طمعهم إنما هو بهذا الشرط. انتهى.
ويحتمل أن تكون إن هي المخففة من الثقيلة، وجاز حذف اللام الفارقة لدلالة الكلام على أنهم مؤمنون، فلا يحتمل النفي، والتقدير : إن كنا لأول المؤمنين.
وجاء في الحديث :« إن كان رسول الله ﷺ يحب العسل »، أي ليحب.
وقال الشاعر :
ونحن أباة الضيم من آل مالكوإن مالك كانت كرام المعادن
أي : وإن مالك لكانت كرام المعادن، وأول يعني أول المؤمنين من القبط، أو أول المؤمنين من حاضري ذلك المجمع.
وقال الزمخشري : وكانوا أول جماعة مؤمنين من أهل زمانهم، وهذا لا يصح لأن بني إسرائيل كانوا مؤمنين قبل إيمان السحرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى