مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
المطلوب الرابع : قوله :﴿واغفر لأبي إنه كان من الضالين﴾ واعلم أنه لما فرغ من طلب السعادات الدنيوية والأخروية لنفسه طلبها لأشد الناس التصاقا به وهو أبوه فقال :﴿واغفر لأبي﴾ ثم فيه وجوه. الأول : أن المغفرة مشروطة بالإسلام وطلب المشروط متضمن لطلب الشرط فقوله :﴿واغفر لأبي﴾ يرجع حاصله إلى أنه دعاء لأبيه بالإسلام. الثاني : أن أباه وعده الإسلام كما قال تعالى :﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ فدعا له لهذا الشرط ولا يمتنع الدعاء للكافر على هذا الشرط ﴿فلما تبين أنه عدو لله تبرأ منه﴾ وهذا ضعيف لأن الدعاء بهذا الشرط جائز للكافر فلو كان دعاؤه مشروطا لما منعه الله عنه. الثالث : أن أباه قال له إنه على دينه باطنا وعلى دين نمروذ ظاهرا تقية وخوفا، فدعا له لاعتقاده أن الأمر كذلك فلما تبين له خلاف ذلك تبرأ منه، لذلك قال في دعائه :﴿إنه كان من الضالين﴾ فلولا اعتقاده فيه أنه في الحال ليس بضال لما قال ذلك.