فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿والذين يُحَاجُّونَ في الله مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ﴾ أي يخاصمون في دين الله من بعد ما استجاب الناس له، ودخلوا فيه. قال مجاهد : من بعد ما أسلم الناس. قال : وهؤلاء قوم توهموا أن الجاهلية تعود. وقال قتادة : هم اليهود والنصارى، ومحاجتهم قولهم : نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل كتاب، وأنهم أولاد الأنبياء، وكان المشركون يقولون :﴿أي الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم: ٧٣]، فنزلت هذه الآية، والموصول مبتدأ، وخبره الجملة بعده، وهي ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ﴾ أي لا ثبات لها كالشيء الذي يزول عن موضعه، يقال : دحضت حجته دحوضاً : بطلت، والإدحاض : الإزلاق، ومكان دحض، أي زلق، ودحضت رجله : زلقت. وقيل : الضمير في له راجع إلى الله. وقيل : راجع إلى محمد ﷺ. والأوّل أولى ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ أي غضب عظيم من الله لمجادلتهم بالباطل ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن السدّي ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين﴾ قال : اعملوا به. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله :﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ قال : ألا تعلموا أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة ﴿كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾، قال : استكبر المشركون أن قيل لهم : لا إله إلاّ الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد :﴿الله يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء﴾ قال : يخلص لنفسه من يشاء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿والذين يُحَاجُّونَ في الله مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ﴾ قال : هم أهل الكتاب كانوا يجادلون المسلمين، ويصدّونهم عن الهدى من بعد ما استجابوا لله. وقال : هم قوم من أهل الضلالة، وكانوا يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله :﴿والذين يُحَاجُّونَ في الله﴾ الآية، قال : هم اليهود والنصارى. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن نحوه. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال : لما نزلت :﴿إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: ١] قال المشركون لمن بين أظهرهم من المؤمنين : قد دخل الناس في دين الله أفواجاً، فاخرجوا من بين أظهرنا، فنزلت :﴿والذين يُحَاجُّونَ في الله﴾ الآية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى