لطائف الإشارات — القشيري

عن الكتاب
قوله جل ذكره :﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾.
﴿لَطِيفُ﴾ أي عالم بدقائق الأمور وغوامضها. واللطيف هو المُلْطِف المحسن. . وكلاهما في وصفه صحيح. واللطف في الحقيقة قدرة الطاعة، وما يكون سبب إحسانه للعبد اليومَ هو لُطْفٌ منه به.
وأكثرُ ما يستعمل اللطف- في وصفه- في الإحسان بالأمور الدينية.
ويقال : خَاطَبَ العابدين بقوله :﴿لَطيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ : أي يعلم غوامضَ أحوالهم. من دقيق الرياء والتصنُّع لئلا يُعْجَبُوا بأحوالهم وأعمالهم. وخاطَبَ العُصاةَ بقوله :" لطيف " : لئلا ييأسوا من إحسانه.
ويقال : خاطَبَ الأغنياءَ بقوله :" لطيف " : ليعلموا أنه يعلم دقائقَ معاملاتهم في جمع المال من غير وجهه بنوع تأويل، وخاطَبَ الفقراءَ. بقوله :" لطيف " أي أنه مُحْسِنٌ يرزق من يشاء.
ويقال : سماعُ قوله :" اللَّهُ " يوجِبَ الهيبةَ والفزع، وسماعُ " لطيفٌ " يوجِبُ السكونَ والطمأنينة. فسماعُ قوله :" اللَّهُ " أوجب لهم تهويلاً، وسماع قوله :" لطيفٌ " أوجب لهم تأميلاً.
ويقال : اللطيفُ مَنْ يعطي قَدْرَ الكفاية وفوق ما يحتاج العبدُ إليه.
ويقال : مَنْ لُطفِه بالعبد عِلْمُه بأنه لطيف، ولولا لُطفُه لَمَا عَرَفَ أنه لطيف.
ويقال : مِنْ لُطْفِه أنه أعطاه فوق الكفاية، وكَلَّفَه دون الطاقة.
ويقال : مِنْ لُطفِه بالعبد إبهام عاقبته عليه ؛ لأنه لو علم سعادتَه لاتَّكَلَ عليه، وأَقَلَّ عملَه ولو عَلِمَ شقاوتَه لأيِسَ ولَتَرَكَ عَمَله. . فأراده أن يستكثرَ في الوقت من الطاعة.
ويقال : من لطفه بالعبد إخفاءُ أَجِلِه عنه ؛ لئلا يستوحش إن كان قد دنا أَجَلُه.
ويقال : من لطفه بالعبد أنه يُنْسِيَه ما عمله في الدنيا من الزلّة ؛ لئلا يتنغَّص عليه العَيْشُ في الجنة.
ويقال : اللطيفُ مَنْ نَوَّر الأسرارَ، وحفظ على عبده ما أَوْدَعَ قلبَه من الأسرار، وغفر له ما عمل من ذنوبٍ في الإعلان والإسرار.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى